يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
164
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
بالليل ، وهذا آخر كتابي إليك فاعلمه والسلام . وروي عن رجل من أعوان داود الطائي قال : دخلت على داود فقال لي : ما جاء بك ؟ قلت : زيارتك . فقال لي : أما أنت فقد عملت خيرا حين زرت ، ولكن انظر ماذا ينزل بي أنا إذا قيل لي من أنت فتزار أمن العباد أنت ؟ لا واللّه . أمن الزهاد أنت ؟ لا واللّه . أمن الصالحين أنت ؟ لا واللّه . ثم أقبل يوبخ نفسه ويقول : كنت في الشبيبة فاسقا ، فلما شخت صرت مرائيا ، واللّه للمرائي شرّ من الفاسق . والكلام في زيارة الإخوان لو جمع لجاء منه ديوان . وتقدم الزور الذي هو الكذب . وقد قيل قبل هذا من الكلام فيه ما إذا سمعه عاقل يكفيه وعن خاطره ينفيه . وتقدم في الحديث : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور . وسببه أن امرأة سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه إن لي ضرة فهل لي أن أتشبع من مال زوجي بما لم يعطني ؟ فقال لها النبي صلى اللّه عليه وسلم : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور . أو كما جاء الخبر وفسره أبو عبيد رحمه اللّه فقال : هو الرجل يلبس الثياب تشبه ثياب الصالحين أهل الزهد يريد بذلك الناس ويظهر من التخشع والتقشف أكثر مما في قلبه . فهذه ثياب الزور . وقال فيه أيضا وجه آخر يحتمل أن يريد بالثياب الأنفس . تقول العرب : فلان نقيّ الثياب ، إذا كان بريئا من الدنس والآثام . وفلان دنس الثياب إذا كان مغموصا عليه في دينه . قال امرؤ القيس : ثياب بني عمرو طهارى نقية * وأوجههم عند المشاهد غرّان هذا على الكناية ، وعلى الحقيقة نقاء الثوب محمود . وعند أهل المروءات موجود ، ومن أمثالهم في ذلك : المروءة الظاهرة في الثياب الطاهرة . وفي القرآن العزيز : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [ المدثر : 4 ] قيل معناه لا تلبسها على معصيتي ، وقيل غير ذلك . ورأى عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه رجلا يجر ثيابه فقال : يا هذا أقصر من ثيابك فإنه أنقى وأتقى وأبقى . نظمه بعض المحدثين فقال : تقصيرك الثوب حقا * أنقى وأتقى وأبقى وتقدم الزير ، وتصغيره : زوير ، وهو كل شيء يعقل عند الحرب من رجل أو دابة . فيقال : لا تفر حتى يفر هذا . وفي اشتقاقه قولان أحدهما أنه ربما زار وأزار قومه الموت ، والثاني أن اشتقاقه من اللزوم لموضعه ، ولذلك سمي ملازم النساء ومحادثهن زيرا . وممن جعل نفسه زويرا من المشهورين حرب بن أمية وحضير الكاتب الأوسي عقل نفسه وجعلها زويرا يوم بغاث . وجعل الناس جمل عائشة رضي اللّه عنها يوم الجمل زويرا فأناخوه وهي عليه وقالوا : لا نفرّ حتى يفرّ هذا ، فلم يصبر أحد في الحرب