يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

155

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : أفلا أكون عبدا شكورا ، وما يمنعني وقد أنزل عليّ البارحة آية : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [ آل عمران : 190 ] حتى انتهى إلى قوله : سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [ آل عمران : 191 ] فويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها . انتهى الحديث . وقد عتب اللّه على قوم وعابهم بقلة البكاء فقال : أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ( 59 ) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ [ النجم : 59 - 60 ] وقال تعالى : فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا [ الأنعام : 43 ] وأثنى على قوم بالبكاء فقال : إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا [ مريم : 58 ] وقرأ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه هذه الآية فسجد فقال : هذا السجود فأين البكاء ؟ . وروي في الأخبار أن إبراهيم عليه السلام كان يسمع وجيب قلبه على مسيرة ميلين . وأما بكاء آدم وداود عليهما السلام وغيرهما من الأنبياء فمشهور مذكور . روي أن آدم عليه السلام بكى ثلاثمائة سنة . وكان نبينا صلى اللّه عليه وسلم يتعوذ من عين لا تدمع ، وقال : أربعة من الشقاء : جمود العين ، وقساوة القلب ، وطول الأمل ، والحرص على الدنيا . أخرجه البزار . وقد رفع اللّه تعالى عن قوم بالبكاء الحرج والسبيل ، فقال عزّ اسمه : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [ التوبة : 92 ] فصار هذا البكاء مدحا لهم حتى كانوا يسمون البكائين تشريفا لهم ، وكانوا سبعة من الصحابة رضي اللّه عنهم . أحدهم عتبة بن زيد . خرج من الليل فصلى ما شاء اللّه ثم بكى وقال : اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوّى به مع رسولك ، ولم تجعل بيد رسولك ما يحملني عليه ، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في مال أو جسد أو عرض ، ثم أصبح مع الناس . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أين المتصدق في هذه الليلة ؟ فلم يقم أحدهم ، ثم قال : أين المتصدق فليقم ولا يتزاهد ما صنع . فقام إليه فأخبره فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أبشر . فوالذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة . ذكر هذا ابن إسحاق من رواية يونس . وينظر قول هذا المتصدق إلى قوله عليه الصلاة والسلام : أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم ؟ كان إذا خرج من منزله قال : اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك . لذلك قلت عند ذكر هذه