يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
154
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
واحدة حتى مات رضي اللّه عنه . وكان ابنه عبد اللّه رضي اللّه عنه يبكي حتى تثب الدموع من عينيه وثبا . وقال أفلح : رأيته طاف وجاء المقام فركع فرأيت موضع سجوده مبتلّا من ماء عينيه . وعن محمد بن سيرين : رأيت مسلم بن يسار رضي اللّه عنه وقد رفع رأسه من السجود وكأن الماء صب في ذلك الموضع . وأما الحسن بن أبي الحسن البصري رضي اللّه عنه فكان إذا ذكر الآخرة أو ذكرت له جاءت عيناه بأربع ، وكان إذا عاد مريضا لم ينتفع به يوما وليلة ، وإذا شيع جنازة لم ينتفع به أهله ثلاثة أيام . وقيل ليونس بن عبد اللّه : تعلم أحدا يعمل بعمل الحسن ؟ فقال : واللّه ما أعرف أحدا يعمل بقوله فكيف بعمله . قيل : فصفه لنا . قال : إذا أقبل فكأنه أقبل من دفن حميمه ، وإذا جلس فكأنه أسير تضرب عنقه ، فإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له . وروي أن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه خطب يوم جمعة فقرأ : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [ التكوير : 1 ] فلما بلغ : وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ( 12 ) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ [ التكوير : 12 - 13 ] بكى وارتج أهل المسجد بالبكاء حتى أريت أن حيطان المسجد تبكي معه . والأخبار في هذا كثيرة عن الصحابة والتابعين وتابعيهم . طائفة منهم غشيت من البكاء ، وطائفة عميت . ولو جمعت أخبارهم لجاء منها ديوان ، واللّه أعلم . قلت : وحق ذلك لهم لأنهم كانوا متبعين يقتدي التابع بالصاحب ، والصاحب بالنبي صلى اللّه عليه وسلم . وقد تقدم بكاؤه في الصلاة وغيرها . قرأت على الحافظ رحمه اللّه في كتاب الأربعين للثقفي رضي اللّه عنه متصلا بسنده إلى عطاء رضي اللّه عنه قال : دخلت أنا وابن عمر على عائشة رضي اللّه عنهم ، فقالت : يا عبيد بن عمير مالك لا ترى ؟ فقال : يا أم المؤمنين أما سمعت ما قال الأول : ( زر غبّا تزدد حبّا ) . فقال ابن عمر : دعانا من باطلكما ، حديثنا بأعجب شيء رأيتيه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال : فبكت ثم بكت وقالت : أتاني في ليلتي التي هي ليلتي فألصق جلده بجلدي ثم قال : يا هذه ائذني لي أن أتعبد لربي عز وجل . فقلت : إني أحب هواك وأحب قربك . فقام إلى قربة في البيت فتوضأ وما أكثر صب الماء ثم قام ، فافتتح القراءة فبكى حتى جرت دموعه على خده ، ثم جلس فحمد اللّه وأثنى عليه ، فبكى حتى بلغت دموعه حجره ، ثم بكى حتى بلغت دموعه الأرض ، أو أصابت الأرض ، فجاء بلال وهو يبكي فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ما يبكيك وقد غفر