يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

104

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

فقال : يا أمير المؤمنين أما سمعت اللّه تعالى يقول : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ( 225 ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ [ الشعراء : 224 - 226 ] فقال عمر رضي اللّه عنه لليهود : إن كان لكم على قتله بينة وإلا فلا سبيل لكم إليه ، فخلى سبيله . وشبيه بهذا الخبر ما يروى : أن شاعرا أنشد سليمان بن عبد الملك أبياتا يعرض فيها بالزنا فقال : ويحك أقررت على نفسك بالزنا ، وأنا الإمام ، ولا بد لي أن أحدك . فقال : بأي شيء أوجبت ذلك عليّ ؟ قال : بكتاب اللّه تعالى . قال : كتاب اللّه هو الذي يدرأ عني الحد . قال : وأين ؟ قال في قوله تعالى : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ [ الشعراء : 224 ] الآية ، وأنا قلت يا أمير المؤمنين ما لم أفعل . وشبيه بهذا ما يروى أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لما ولى النعمان ميسان كره ذلك فسأل عمر أن يعزله . فأبى فقال وهو بميسان : من يبلغ الخنساء أن خليلها * بميسان يسقى في زجاج وحنتم في أبيات يعرض فيها بالخمر وأرسل بها إلى المدينة وغرضه أن تتصل بعمر فيعزله ، وكان في آخرها : لعل أمير المؤمنين يسوءه * تنادمنا بالجوسق المتهدّم فلما بلغ ذلك عمر قال : اللهم إنه قد ساءني ، وعزله . فلما قدم عليه أمر بأن يحد ، فقال : ما شربتها ولكني قلت ما قلت لغرض أردته . فقال له : احلف ما شربتها . فحلف فدرأ عنه الحدّ . وقريب من هذا أن أبا محجن اعترف في شعره بشرب الخمر ، فأراد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن يحدّه . فقال : صدق اللّه وكذبت أنا . أمّا اللّه تعالى يقول : وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ [ الشعراء : 224 ] . فتركه من الحدّ وعزله . ونوع من هذا وفيه ضرب من التعريض في الشعر ما يروى أن مهلهلا الشاعر خرج مع عبدين له فقتلاه ، وكان قد قال لهما لما أحسّ بقتله : بلغا ابنتيّ السلام وأنشداهما : من مبلغ الفتيان أن مهلهلا * للّه درّكما ودرّ أبيكما فلما قدم العبدان ذكرا أنه مات في الطريق ، وقاما عليه ودفناه . وأنشدا البيت الذي وصاهما به . فقالت ابنته : هذا بيت لا يلتئم صدره مع عجزه وإنما صوابه : من مبلغ الفتيان أن مهلهلا * أمسى وأصبح في التراب مجندلا