يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

65

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وكان شاعرا محسنا كثير الإحسان طويل اللسان خلقا وخلقا . يروى أنه كان يضرب بلسانه أرنبة أنفه هو وابنه وجدّه ، ويقول : لو وضعته على حجر لفلقه أو على شعر لحلقه . وابنه هذا أظنه عبد الرحمن ، ومن حذقه ونبله أنه لسعه زنبور وهو صغير فجاء إلى أبيه يبكي ، فقال له : ما لك ؟ فقال له : لسعني طائر كأنه ملتف في بردتي حبرة ، فقال له أبوه : قلت واللّه الشعر . وأم عبد الرحمن هذا سيرين ابنة شمعون أخت مارية سريّة النبي صلى اللّه عليه وسلم . وكان عبد الرحمن يفخر بأنه ابن خالة إبراهيم ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وروت سيرين هذه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حديثا ، قالت : رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خللا في قبر ابنه إبراهيم فأصلحه ، وقال : إن اللّه يحب من العبد إذا عمل عملا أن يتقنه ، إلى غير ذلك من فضائله رضي اللّه عنه . وبعد هذه الفصول والمقدمات فالأعمال بالنيات والمجازي عليها علّام الخفيات . وفي الحديث : وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن نوى الخير فما عليه توى . وسترى تفسير ( توى ) مع أشكاله ( ثوى ) و ( بوى ) في باب النون إن شاء اللّه تعالى . وأنا قد جمعت هذا الكتاب ومرادي أن نذكر اللّه تعالى فيه ونصلي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متى جرى ذكره ، لأني لما رأيت ذلك الشعر عقده انحلت بالفتح ، وظلمه انجلت بالشرح ، جعلت في آخر كل باب منه فصلا جزيلا طويلا نبيلا أردت أن أزيده به انشراحا وإيضاحا ، بتفسير آية من كتاب اللّه تعالى ، وضياء وسناء بأحاديث عن نبيه المصطفى ، مع ذكر مآثر ومفاخر عن أصحابه عليهم أكمل الرضا ، وحكايات ومواعظ مرويات عن العلماء وأخبار وأشعار عن الحكماء ، ورقائق عن أهل اليقين وحقائق عن المتقين ، وآتي فيه بعجائب رأيتها وغرائب رويتها ، وأشياء كانت عندي مضاعة صيرتها مذاعة ، وأخبار كانت متفرقة فجمعتها ومستورة فأبرزتها ، وكنت عوّلت أوّلا أن يكون لغويا موجزا صغير الجرم مكتنزا ، فما هو إلا أن شرعت في تأليفه وأخذت في تصنيفه ، فأقبلت بحمد اللّه عليّ الفوائد من كل أوب وألمعت إليّ الشوارد بيد وثوب ، فمن آية من القرآن العظيم الذي بنوره يهتدى وحكاية عن النبي الكريم الذي بأموره يقتدى ، ومن حكمة زهدية جدّية وكلمة غزلية هزلية ، فهذه مطربة مسلية وتلك مكربة مبكية ، إلى عير ذلك من مسألة فقهية من لباب اللباب ، وأخرى نحويّة قلّ أن توجد في كتاب ، ومن نظم ونثر لأشياخي أولي الألباب وما لي أيضا من هذا النوع مما يليق بالباب ، وعلى هذا الفنّ عوّلت أبرزه ، وفي هذا المجموع عزمت أحرزه ، فما زلت بهذه الفرائد ألطف شارداتها فأربطها وتلك الفوائد أتحف وارداتها فأضبطها ، حتى إذا صار الكل