يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
515
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
لم يكن ذاك منه ظلما وهل يظ * لم رب يرجى لحسن المآب ثم بكى وبكي جلساؤه ، ثم أمر بكتاب يكتب إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان : أما بعد ، فقد كنت أرعى غنما أحوطها حياطة الناصح الشفيق ، فجاء السد فبطش بالراعي ومزق المرعى كل ممزق ، وقد نزل بمولاك ما نزل بأيوب الصابر ، وأرجو أن يكون ذلك تكفيرا لما حصل من ذنوبه . ثم كتب في آخر الكتاب : إذا ما لقيت اللّه عني راضيا * فإن سرور النفس فيما هنالكا فإن مت فاذكرني بذكر محبب * فقد كان عما في رضائك سالكا لقد ذاق هذا الموت من كان قبلنا * ونحن نذوق الموت من بعد ذلكا في أبيات كثيرة . ثم دخل عليه أبو يعلى بن مجالد المجاشعي فقال : كيف ترى ما بك يا حجاج من غمرات الموت وسكراته ؟ فقال : يا أبا يعلى أرى ألما فظيعا ونزعا جريضا وسفرا طويلا وزادا قليلا ، فويلا وويلا إن لم يرحمني الجبار ، فقال له : إنما يرحم اللّه من عباده الرحماء أولي الرحمة والتحنن والعطف على عباده ، وأنت قتلت الصالحين وأفنيتهم ، وأطعت المخلوق في معصية الخالق ، وضربت الأبشار وسست سياسة متكبر جبار ، عززت بني مروان وأذللت نفسك ، وعمرت دورهم وخرّبت دارك ، فاليوم لا ينجونك ولا يغنونك ، لقد كنت لهذه الأمة اهتماما واغتماما وعناء وبلاء ، فالحمد للّه الذي أراحها منك . فكأنما قطع لسانه فلم يحر جوابا ، وتنفس الصعداء وخنقته العبرة ثم قال : رب إن العباد قد آيسوني * ورجائي بك الغداة عظيم ولما مات رئي في المنام ، فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ . فقال : قتلني بكل قتيل قتلته قتلة ، وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلة . فقيل له : فما تنتظر ؟ قال : ما ينتظره الموحدون . وقال علي ابن جدعان : أخبر الحسن بموت الحجاج ، فسجد وقال : اللهم عقيرك وأنت قتلته فاقطع سنته وأرحنا من سنته وأعماله الخبيثة . أحصي من قتل الحجاج بين يديه صبرا فبلغ مائة ألف وعشرين ألفا ، سوى من قتل بسببه في الملاحم والحروب . وأطلق سليمان بن عبد الملك من سجنه سبعين ألفا قد حبسهم للقتل ، وأمر أن يبتتوا ، معناه : يكسوا بتا بتا ، وجمع البت : بتوت . والبتي : الذي يعمله . والبت : ضرب من الطيالسة ، يسمى الساج ، مربع غليظ لونه أخضر . كذا فسره ثابت ، قال : وقد يجوز أن يكون معنى يبتتوا : يزوّدوا . وأنشد على المعنى الأوّل قول الراجز : يا رب بيضاء عليها بت * بت السويق لحمها واللت