يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
479
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
شيخي أبو محمد عبد الحق رحمه اللّه ، فقال وأنشدنيه : دع الدنيا لطالبها وجافي * بنفسك عن مزاحمة العوافي وخذ منها كفافا من حلال * فإنك لا تلام على كفاف وفي الحديث أيضا : طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع . ولما قدم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه الشام صنع له طعام لم ير قبله مثله ، فقال : هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير ؟ فقال خالد بن الوليد : لهم الجنة ، فاغرورقت عينا عمر وقال : لئن كان حظنا في هذا الحطام وذهبوا بالجنة لقد باينونا بونا بعيدا . وقال لأبي عبيدة رضي اللّه عنه : اذهب بنا إلى منزلك ، قال : ما تريد إلا أن تعصر عينيك عليّ . قال : فدخل منزله فلم ير شيئا ، فقال عمر : أين متاعك ؟ لا أرى إلا لبدا وشنا وصحفة ، وأنت أمير أعندك طعام ؟ فقام أبو عبيدة إلى جونة فأخذ منها كسيرات ، فبكى عمر ، فقال أبو عبيدة : قد قلت لك لا تعصر عينيك عليّ يا أمير المؤمنين ، يكفيك من الدنيا ما بلغ المقيل . فقال عمر : غرتنا الدنيا غيرك يا أبا عبيدة . وقال الثوري وفضيل رضي اللّه عنهما : جعل الشر كله في بيت ، وجعل مفتاحه حب الدنيا ، وجعل الخير كله في بيت ، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا . وجاء في الخبر : حب الدنيا رأس كل خطيئة . فيخرج من دليل الخطاب أن بغضها رأس كل طاعة ، فعلى هذا ينبغي أن لا يؤخذ منها إلا ما لا بدّ منه . كما يروى عن عمير بن سعيد الذي تقدّم ذكره أنه قدم على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما من حمص إذ كان أميرا عليها ، فقال له عمر : ما معك من الدنيا يا عمير ؟ قال : معي عصاي أتوكأ عليها وأقتل بها حية إن لقيتها ، ومعي جرابي أحمل فيه طعامي ، ومعي قصعتي آكل فيها وأغسل فيها ثوبي ورأسي ، ومعي مطهرتي أحمل فيها شرابي ووضوئي للصلاة ، فما كان بعد هذا من الدنيا فهو تبع لما معي . فقال عمر : صدقت رحمك اللّه ، رضي اللّه عنهما . تقدّم في الشعر الذي لي : . . . * . . . وجبته ترقع بالجلود قال أبو عثمان النهدي : رأيت عمر بن الخطاب يطوف حول البيت وعليه إزار فيه ثنتا عشرة رقعة إحداهن أدم أحمر . وقد فعل مثل هذا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، قال سعيد بن جبير : إن عليا قدم الكوفة وهو خليفة وعليه إزاران قطريان ، قد رقع إزاره برقعة ليست بقطرية من ورائه ، فجاءه أعرابي ينظر إلى تلك الخرقة مخالفة ، فقال : يا أمير المؤمنين كل من هذا الطعام ، والبس واركب ، فإنك ميت أو مقتول . قال : إن هذا خير لي في صلاتي ، وأصلح لعملي ، وأشبه بهيئة الصالحين قبلي ، وأجدر أن يقتدي بي