يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
480
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
من أتى بعدي . وكان علم رضي اللّه عنه أنه مقتول ، إذ كان قد أخبره بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله . ويروى أنه أتي بابن ملجم إليه وقيل له : إنا قد سمعنا من هذا كلاما ولا نأمن قتله إياك ، قال : ما أصنع به ؟ ثم قال رضي اللّه عنه : أشدد حيازيمك للمو * ت فإن الموت لاقيك ولا تجزع من المو * ت إذا حل بواديك وقد تقدّم القول في هذا البيت ، وأنّ أوّله : حيازيمك ، وأنّ : أشدد ، إنّما هو ابتداء كلام ليس من البيت . قال بعض العلماء : إن للّه عبادا جعلوا ما رزقهم اللّه في بطونهم وعلى ظهورهم . كما يروى أن هشام بن عبد الملك كانت كسوة نفسه دون كسوة عياله وحشمه وقر سبعمائة جمل وعشرين جملا كان فيها اثنا عشر ألف قميص وسبعمائة تكة ، طول كل تكة سبعة أذرع . وكان عمرو بن عامر ملك من ملوك اليمن يلقب مزيقيا ، لأنه كان يلبس كل يوم حلة ثم يمزقها بالعشي ، يكره أن يعود فيها ، ويأنف أن يلبسها أحد غيره . قلت : أين هذا من الذي قيل له عند الموت : أوص ، قال : إذا مت تصدّقوا عليّ بقميصي . قيل له : أين ندفنك ؟ قال : الذي يختار موضعي يدري حيث ينقلني ، أو كما قال . وقد تقدّم كيف كان لباس الصحابة رضي اللّه عنهم ، وكان سالم بن عبد اللّه يلبس العباءة ثمنها نحو الدرهمين ، وكان يحيى بن اليمان أحد العلماء الفضلاء ، وهو الذي قال فيه شريك : أو بالكوفة أحد يشبة يحيى بن اليمان ؟ قال يحيى : تزوّجت أم داود وما كان عندنا ليلة العرس إلا بطيخة أكلت أنا نصفها وهي نصفها ، وولد لنا داود وما كان عندنا شيء نلفه فيه ، حتى اشتريت له كسوة بجبتين ، فلففناه فيه . ويروى أن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه كانت له نفس تواقة إلى الكسوة والدنيا في حداثة سنة ، فلما ولي الخلافة تخلى عن ذلك . روى مالك قال : بلغنا أن عمر بن عبد العزيز أمر رجلا أن يشتري له لحافا بستمائة درهم ، فلما جاءه به تسخطه ، فلما ولي الخلافة أمر ذلك الرجل أن يشتري له كساء بسبعة دراهم ، فلما جاء به لبسه ، ثم تعجب لحسنه ، قال فضحك الرجل ، فقال له عمر : إني لأظنك أحمق تضحك من غير شيء ، قال : إنما ضحكت لمكان اللحاف الذي أمرتني أن أشتريه لك بستمائة درهم ، قال : فصمت ساعة ثم قال : أخشى أن لا يشتري أحد ثوبا بستمائة درهم وهو يخاف اللّه .