يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
477
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
وأدناهم من زهد مخافة طول الوقوف ومناقشة العذاب ، كما قيل : ذو الدرهمين يوم القيام أشدّ حسابا من ذي الدرهم ، وإن طريق المقربين لا يسلكه من ملك من الدنيا زوجين من شيء . وقال عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما لا يصيب عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند اللّه ، وإن كان عند اللّه كريما . وقيل له رضي اللّه عنه : توفي فلان ، فقال : رحمه اللّه ، قيل له : يا أبا عبد الرحمن ترك مائة ألف ، فقال : لكن هي لم تتركه . وسمع رجلا يقول : أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة ؟ فأراه قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، فقال : عن هؤلاء تسأل . وقال عمران القصير للحسن : إن الفقهاء يقولون كذا وكذا ، فقال : وهل رأيت فقيها بعينك ؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا البصير بدينه المداوم على عبادة اللّه عز وجل . ويقال : ما أحد يعطى من الدنيا شيئا إلا ويقال له : خذه على ثلاثة أثلاث : ثلث هم وثلث شغل ، وثلث حساب . وإن الرجل من الأغنياء ليوقف للحساب ما لو ورد عليه مائة بعير عطاشا على عرقه لصدرت رواء ، وإنه ليرى منازله من الجنة . وقال يوسف بن أسباط : لو أن رجلا ترك الدنيا مثل أبي ذر وأبي الدرداء وسلمان رضي اللّه عنهم ؛ ما قلنا له : إنك زاهد ، لأن الزهد لا يكون إلا على ترك الحلال المحض ، والحلال المحض لا نعرفه اليوم ، وإنما الدنيا حلال وحرام وشبهات ، فالحلال حساب ، والحرام عذاب ، والشبهات عتاب ، فأنزل الدنيا منزلة الميتة ، خذ منها ما يقيمك ، فإذا كانت حلالا كنت زاهدا فيها ، وإن كانت حراما لم تكن أخذت منها إلا ما يقيمك ، كما يأخذ المضطر من الميتة ، وإن كانت شبهات كان العتاب يسيرا . ومثله قول بعضهم : ليس الزهد ترك كل الدنيا ، ولكن الزهد التهاون بها وأخذ البلاغ منها ، قال اللّه تعالى : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [ يوسف : 20 ] ، فأخبر أنهم زهدوا فيه ، وقد أخذوا له ثمنا . الكلام على الزهد : وقد تكلم في الزهد في أي شيء هو ؟ فقال بشر الحافي بن الحارث : الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس ، من زهد فيهم فقد زهد في الدنيا . وقال غيره : الزهد في الدنيا هو الزهد في الجوف ، لأنه دنياك ، فبقدر ما تملك من بطنك تملك من الزهد . وقال الفضيل : الزهد القناعة ، فكأنّ الدنيا عنده الحرص . وقال سفيان الثوري : الزهد في الدنيا قصر الأمل ، ليس بأكل الغليظ ولبس العباءة . قلت : عجبا للمرء كيف لا يقصر أمله ودونه أجله ، ألم تسمع قول الشاعر :