يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
473
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
قال : أعظم من ذلك ، قالت : وما هو ؟ قال : ابتليت بالدنيا ، وقد كنت صحبت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم ابتل بها ، وصحبت أبا بكر فلم أبتل بها ، وابتليت بها في صحبة عمر ، ألا فشرّ أيامي أيام عمر ، قالت : وما ذاك بأبي أنت وأمي ؟ قال : إني أخافك ، قالت : إياي تعني ؟ قال : نعم ، قالت : فأنت آمن من هذا ، قال : فإن أمير المؤمنين أرسل إليّ بأربعمائة دينار ، وعزم عليّ أن أنفقها عليّ وعليك ، وإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : إن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا ، واللّه ما أحب أن لي حمر النعم وأني أحبس عن الفوج الأوّل ، قالت : فدونكها فاصنع بها ما شئت ، فقال : هل من خرق ؟ فأعطته درعا لها خلقا فمزقته خرقا ، ثم صرّ فيه ما بين أربعة إلى عشرة ، ثم طرحها في مخلاة ، ثم خرج إلى باب الرستق من حمص ، فجعل يعطي الناس صرّة صرّة ، حتى بقيت صرّة في المخلاة ، فدفعها والمخلاة إلى رجل ، ثم رجع فذهب عنه واستراح . وذكر أبو نعيم الحافظ رحمه اللّه في كتابه الحلية قال خالد بن معدان : استعمل علينا عمر بن الخطاب بحمص سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي ، فلما قدم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حمص قال : يا أهل حمص كيف وجدتم عاملكم ؟ فشكوه إليه ، وكان يقال لأهل حمص : الكويفة الصغرى ، لشكايتهم العمال ، قالوا : نشكو أربعا : لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار ، قال : أعظم بها ، قال : وماذا ؟ قالوا : لا يجيب أحدا بليل ، قال : وعظيمة ، قال : وماذا ؟ قالوا : له يوم من الشهر لا يخرج فيه إلينا ، قال : وعظيمة ، قال : وماذا ؟ قالوا : يغط الغطة بين الأنام حتى تأخذه موتة . قال : فجمع عمر بينهم وبينه وقال : اللهم لا يفيل فيه رأيي اليوم ، ما تشكون منه ؟ قالوا : لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار ، قال : واللّه إن كنت لأكره ذكره ، ليس لأهلي خادم ، فأعجن عجيني فأجلس حتى يختمر ، ثم أخبز خبزي ، ثم أتوضأ ، ثم أخرج إليهم . فقال : ما تشكون منه ؟ فقالوا : لا يجيب أحدا بالليل ، قال : ما يقولون ؟ قال : إن كنت لأكره ذكره ، إني جعلت النهار لهم وجعلت الليل للّه عز وجل . قال : وما تشكون ؟ قالوا : إن له يوما من الشهر لا يخرج إلينا فيه ، قال : ما يقولون ؟ قال : ليس لي خادم يغسل ثيابي ولا لي ثياب أبدلها ، فأجلس حتى تجف ثم ألبسها ثم أخرج إليهم آخر النهار . قال : وما تشكون منه ؟ قالوا : يغط الغطة بين الأنام ، قال : ما يقولون ؟ قال : شهدت مصرع حبيب الأنصاري وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذعه ، ثم قالوا : أتحب أن محمدا مكانك ؟ فقال : واللّه ما أحب أني في أهلي وأن محمدا يشك بشوكة ، ثم نادى يا محمد ، فما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحالة وأنا مشرك لا أومن باللّه العظيم إلا ظننت أن اللّه لا يغفر لي بذلك