يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
474
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
الذنب أبدا ، قال : فتصيبني تلك الغطة . فقال عمر : الحمد للّه الذي لم يفل رأيي فيك . فبعث إليه بألف دينار وقال : استعن بها على فقرك . فقالت امرأته : الحمد للّه الذي أغنانا من خدمتك ، فقال لها : فهل لك في خير من ذلك ؟ ندفعها إلى من يأتينا أحوج ما يكون إليها ، قالت : نعم ، فدعا رجلا من أهله يثق به فصرّها صرا شديدا ثم قال : انطلق بهذه إلى أرملة آل فلان وإلى يتيم آل فلان وإلى مسكين آل فلان وإلى مبتلى آل فلان ، فبقيت منها ذهبة فقال : أنفقي هذه ، ثم عاد إلى عمله . فقالت : ألا تشتري لنا خادما ؟ ما فعل ذلك المال ؟ قال : سيأتيك أحوج ما تكونين إليه . كذا رواه حسان وأبو خالد بن معدان . وشبيه بقصة سعيد هذا أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كتب إلى أهل حمص : اكتبوا لي فقراءكم ، فكتبوا إليه أسماء الفقراء ، وذكروا فيهم عمير بن سعيد ، وكان واليا عليهم ، فلما قرأ اسمه قال : من عمير بن سعيد ؟ قالوا : أميرنا ، قال : أو فقير هو ؟ قالوا : ليس أهل بيت أفقر منه قال : فأين عطاؤه ؟ قالوا : يخرجه كله لا يمسك منه شيئا . قال فوجّه إليه بمائة دينار ، فأخرجها كلها ، فقالت له امرأته : لو كنت حبست لنا منها دينارا واحدا ، فقال : لو ذكرتيني فعلت . ذكر هذه الحكايات أبو طالب رحمه اللّه في باب الزهد من كتابه . وذكر من زهد عيسى ابن مريم عليه السلام أنه وضع تحت رأسه حجرا ، فكأنه لما ارتفع رأسه من الأرض استراح بذلك ، فعارضه إبليس فقال : يا ابن مريم أليس تزعم أنك قد زهدت في الدنيا ؟ قال : نعم ، قال : فهذا الذي قد وطأته تحت رأسك من أي شيء هو ؟ قال : فرماه عيسى بالحجر وقال : هذا لك مع ما تركت من الدنيا ، ثم وضع رأسه على التراب . وقد كان من الزهاد من لا يأخذ إذا أعطي . أمر بعض الأمراء لأحد الفقراء بعطاء ، فقال : لا حاجة لي به ، قال : فنجري عليك ما يكفيك طول عمرك ، قال له : يا أمير المؤمنين أنا وأنت في عيال اللّه تبارك وتعالى ، فمحال أن يذكرك وينساني ، وهذا رأس الزاهدين رسول رب العالمين اختار الفقر على الغنى ، والضيق على السعة . وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام : اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين . فقالت عائشة : لم يا رسول اللّه ؟ قال : إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا . يا عائشة لا تردّي المسكين ولو بشق تمرة . يا عائشة أحبي المساكين وقرّبيهم فإن اللّه يقربك يوم القيامة . خرجه الترمذي وقال عن أبي هريرة : يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام . وقال حديث صحيح . وخرج أيضا قال : قال رجل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا رسول اللّه إني