يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
467
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
تؤخرون إن أخرتم ، فقال عبد اللّه : لا ، قال : فاقطعوا لي قطعة ، قال عبد اللّه : لك من ها هنا إلى ها هنا ، قال : فباع منها فقضى دينه فأوفاه ، وبقي منها أربعة أسهم ونصف ، فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة ، فقال معاوية : بكم قومت الغابة ؟ قال : كل سهم مائة ألف ، قال : كم بقي ؟ قال : أربعة أسهم ونصف ، قال المنذر : قد أخذت سهما بمائة ألف ، وقال عمرو بن عثمان : قد أخذت سهما بمائة ألف ، وقال ابن زمعة : قد أخذت سهما بمائة ألف ، فقال معاوية : كم بقي ؟ قال : سهم ونصف ، قال : قد أخذته بخمسين ومائة ألف . قال : وباع عبد اللّه بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف ، قال : فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير : اقسم بيننا ميراثنا ، قال : واللّه لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم . فلما مضى أربع سنين قسم بينهم . قال : وكان للزبير أربع نسوة ، ودفع الثلث ، فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف ، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف . قلت : ذكر في هذا الحديث : وما ولي إمارة قط . قد ولي عمر بن الخطاب عنه الإمارة ، ولكنه مات وعليه من الدين ثمانية وعشرون ألفا ، لم يأكل منها خبيصا ولا لبس منها قميصا ، بل كانت جبته مرقعة بالجلود ، وباب منزله من الجريد ، لكنه أنفق هذا المال في سبيل الخير لا غير . فلما فرغت حياته وحانت وفاته قال لابنه عبد اللّه ولابنته حفصة رضي اللّه عنهما : إني قد أصبت من مال اللّه شيئا ، وإني أحب أن ألقى اللّه عز وجل وليس في عنقي منه شيء ، فبيعا فيه حتى تقضياه ، فإن عجز عنه مالي فسلا في بني عدي ، فإن بلغ وإلا فلا تعدوا قريشا . فباع عبد اللّه من معاوية دار عمر التي يقال لها دار القضاء بالمدينة ، وباع ما له بالغابة ، فقضى دينه ، فلذلك قيل لداره دار القضاء رضي اللّه عنه . وقد فعل مثل هذا من هو فوقهما ، أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ، قال لابنته عائشة رضي اللّه عنها : انظري يا بنية ، فما زاد في مال أبي بكر منذ ولينا هذا الأمر فردّيه على المسلمين ، فو اللّه ما نلنا من أموالهم إلا ما أكلنا في بطوننا من جريش طعامهم ، ولبسنا على ظهورنا من خشن ثيابهم ، فنظرت فإذا بكر وجرد قطيفة لا تساوي خمسة دراهم وحبشية ، فلما جاء بها الرسول إلى عمر قال له عبد الرحمن بن عوف : يا أمير المؤمنين أتسلب هذا ولد أبي بكر ؟ قال : كلا ورب الكعبة لا يتأثم بها أبو بكر في حياته وأتحملها من بعد موته ، رحم اللّه أبا بكر لقد كلف من بعده تعبا . ومعنى تأثم : طرح الإثم عن نفسه ، وقد تقدّم شرح ذلك . انظر رحمك اللّه هذه الأخبار بعين الاعتبار ، وكيف كانت سيرة القوم ومعاملاتهم