يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

417

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

فقال لي : هذا الهر من شأنه كيت وكيت ، وسترى إذا ولج البيت ، فابتعته منه بكل محبوب شفقة على الجيوب ، واحتملته على الفور لا أدري أليث أم سنور ، سوى أنه مصبور المتن عريض الزور ، عبل الذراعين حديد نظر العين ، مصمت العظام ذو مخالب عظام ، وربما اختطف بها مسامير الأوضام ، إذا بدا فتمثل الليث ، وإذا عدا فتخيل الغيث ، أخف الضياون نهضه وأثقفهم عضه ، ثم يكشر عن أنياب فيكبت فيرانك في الغاب ، يرميهم بها وما لديه من رزق ، ويختطفهم وليس سوى مقلتيه البرق ، عنده في الصيد أعظم الكيد ، يأتي بمكر الثعلب عند عسر المطلب ، وانقضاق العقاب عند انخفاض الأثقاب ، يتقاعس في الوهد كأنه في المهد ، وإذا كان في ذرى المطالع فكسيد الغضا إذ يأتي كالمتظالع ، يتعاشى فيتلاشى حتى إذا أمكنته الفرصة لم يدعها وإن لوحت له بقرصة ، بل يحمل حملة الحوت الملتقم ويفعل فعلة الطاغي المنتقم ، فكم إهاب مزقه وناب بالفؤاد ألزقه ، في كلام عجيب مثل هذا . وبعد هذا قال في آخره : نعوذ باللّه من شر القدر ونحمده عدد الحصى والمدر ، ونستغفره من هذا الهذر ، ونسأله أن يجعلنا من الموت على حذر ، وصلى اللّه على سيدنا محمد سيد البشر ما أضاء نور الشمس وانتشر . اختصرت لك هذه الرسالة من كمالها ، ولو رأيتها بجملتها عجبت من جمالها ، كما لو عاينت رسالتي لعجبت من قلة جزالتي ، ولكن لا بدّ أن أذكر لك ها هنا منها شيئا نزرا ، ومن جوابه عليها سطرا ، كان رضي اللّه عنه قد أمرني أن آتيه بسنور ، حين جارت عليه الفئران أيما جور ، ونعوذ باللّه من الحور بعد الكور ، فأرسلت به إليه وكان درسا ، وكتبت إليه طرسا : يا خير عجم وعرب * هل لك في هرّ أرب إذ رأى الفأر هرب * وإن رأى الخبز اقترب من أرجوزة مطوّلة فوق السبعين ، وكان أوّل رسالته إليّ بعد شعر طويل ونثر نبيل : لا كان هذا الضيون ومثله لا يكون ، جزاء هذا القط أن تستأصل أذناه بالقط ، وبالحريّ أن يكون هذا حديدا إذا ذاق حديدا ، وتمادى كذلك في ذمه ولم يرغب في ضمه ، إلى أن بلغ بطاقته إلى وصف الهر الممدوح في بطاقته ، واختصرت ذلك أيضا بعد أن شوّقتك لما ذوّقتك ، ولتجرب نفسك فهذا وقتك ، وما زال أهل الأدب ممن ومن على قديم الزمن ؛ يكتبون الرسائل في كل فن ، ويسحبون فيها الذيل الرفن . هذا ثابت رحمه اللّه قد خرّج في الدلائل : أنشد خلف الأحمر في هذا المعنى ، وأظنها لخلف الكاتب ، يرثي هرا له مات : رماني الدهر بكل معضله * ونال مني صرفه ما أمله