يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

416

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

لولاه كان الحديث غفلا * أعطاه مولاه كل طائل جزاه ربي خيرا وفضلا * من أعظم الخير والفضائل ونال منه برا ووصلا * بالبكر والغدو والأصائل أعزك اللّه لا تحتقر هذه الثمانية الأبيات فإنها لزوميات ، إن قرأت السطر من أوّله إلى آخره كان بقافيتين ، وإن قرأت النصف الأوّل من البيت وما تحته إلى آخرها كانت الأبيات أربعة كذلك بقافيتين ، ثم ترجع إلى السطر الذي تركته إلى آخر السطر فتقرأه كذلك وما تحته إلى آخره فتجده كذلك مثل الأوّل ، وقام كل بيت بنفسه ولم يفتقر إلى غيره ، مثال الأوّل : قد قلت قولا وليس هزلا * رأيت في ذا الحديث فصلا ومثال الثاني : يا صاحبي اسمع فأنت عاقل * أتاك في الليث وصف قائل فيا أخي كل ينفق مما أولاه مولاه ، ولم يسوّ اللّه سبحانه بين العباد بل فضل بعضا على بعض ، حتى في الأزمنة والبلاد ، هذا أبو زبيد قد قال بالطبع ما وقر منك في السمع ، وليس بغريب فصاحة عربي في زمانه لأنها لغة لسانه ، لم يتعلمها بكتابة ولا دراسة ولا لقنها بتمرين ولا سياسة ، بل أخذها الولد عن الوالد والطريف عن التالد ، ولو كلف أحدهم أن ينتقل إلى مثل لغتنا لما قدر ، كما لا ننتقل نحن إلى لغتهم إلا بعد النظر والفكر والسمر والسهر ، وبالحريّ أن نقفو آثارهم ونلحق غبارهم ، فتستغرب الفصاحة منا والبيان في مثل هذا الزمان ، مع اللسان الفاسد والذهن الراكد ، ومع الخلط المبرد والخليط المبعد ، لذلك لا توجد الفصاحة في ذا الزمن إلا عند من ومن ممن منّ بها عليه الملك الوهاب ، مثل شيخنا الفقيه الخطيب أبي محمد عبد الوهاب ، خصصته بالذكر لأنه إمامنا وزمنه زماننا ، وعليه كانت الدورة وإليه كانت الزورة ، فأذكر لك هنا فصلا من رسالة كتب بها إليّ وتفضل بها على جواب كلام كتبته إليه ، فإذا اطلعت عليه استدللت بذلك على معرفته وفضله وحذقه بالأدب ونبله ، ووقفت من رونق كلامه وطلاوته على رقة طبعه وحلاوته ، وإن أثبتها في الملح فهو أملح . قال لي رضي اللّه عنه بعد كلام وبسملة وسلام : صلح في بعض الأعوام زرعي حتى ضاق منه ذرعي ، وبقربنا غيران فيها جمع كثير من الفئران ، فعندما حصلت الأرزاق في الغرفة توزعها الفساق بالغرفة ، فلما عاملوني بالفسوق أعملت القدم إلى السوق ، وناديت في أحفله أسمع من بأعلاه وأسفله : يا أوجه الدنانير هل عندكم سنانير ؟ فإذا برجل يمشي على عجل ، وعنده هرّ أسود كالقار ، أسمعت بجبة البقار ،