يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
414
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
قصاقص جهم شديد المفصل * مضبر الساعد ذو تعثكل شرنبث الكفين حامي أشبل * إذا لقاه بطل لم ينكل ململم الهامة كمش الأرجل * ذو لبد يغتال في تمهل أنيابه في فيه مثل الأنصل * وعينه مثل الشهاب المشعل فقال له : حسبك ، وأمر لهم بجوائز . قوله : إذا لقاه بطل ، هي لغة في لقيه ، ومثله فنا في فني ، وبقا في بقي ، وقد تقدّم مع الشاهد عليه في تفسير بيت امرئ القيس . قلت : انظر كلام هؤلاء الرجال على الارتجال ، وكيف أجابوا وهم عجال ، ولو أرخى لهم في الطول وأمهلوا بعض المهل ؛ لجاؤوا بالعلل بعد النهل ، ولو لم يسكتهم يزيد لجاؤوا بما ليس له مزيد ، وإلا فانظر كلام أبي زبيد قبل هذا أيضا ، والحديث يشبه بعضه بعضا ، وكيف وصف الأسد لعثمان بن عفان رضي اللّه عنه بعد أن خلصه اللّه منه ، وقد سقت الخبر بطوله لتقف على مهوله . قال عثمان بن عفان رضي اللّه عنه لأبي زبيد الطائي رحمه اللّه : يا أخا تبع أسمعنا بعض قولك ، فقد أنبئت أنك تجيد ، فأنشد قصيدته التي يقول فيها : من مبلغ قومنا النائين إذ شحطوا * أن الفؤاد إليهم شيق ولع ووصف فيها الأسد ، فقال له عثمان : تاللّه تفتأ تذكر لأسد ما حييت ، واللّه إني لأحسبك حبانا هوانا ، فقال : كلا يا أمير المؤمنين ، ولكني رأيت منه منظرا وشهدت منه مشهدا لا يبرح يتجدد ذكره في قلبي ، فأنا معذور يا أمير المؤمنين غير ملوم . فقال عثمان : وأين كان ذلك ؟ . فقال : خرجت في صيانة أشراف من أبناء قبائل العرب ذوي هيبة وشارة حسنة ترتمي بنا المهاري بإكسائها ، ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام ، فاخرورط بنا المسير في حمارّة القيظ ، حتى إذا عصبت الأفواه وذبلت الشفاه وسالت المياه ؛ وأذكت الجوزاء المعزاء ؛ وذاب الصيهد وصرّ الجندب ؛ وضاف العصفور الضب في وجاره ؛ وقال قائلنا : أيها الركب غوروا بنا في ضوج هذا الوادي ؛ وإذا واد قد تيممناه ، كثير الدغل دائم الظلل ، شجراؤه مغنّة وأطياره مرنّة فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات ، فأصبنا من فضلات الزاد وأتبعناها الماء البارد ، فإنا لنصف حرّ يومنا ذلك ومماطلته ، إذ صر أقصى الخيل أذنيه ، وفحص الأرض بيديه ، فو اللّه ما لبث أن جال ثم حمحم فبال ، ثم فعل فعله الفرس الذي يليه واحدا فواحدا ، فتضعضعت الركاب وتكعكعت الخيل ، وتقهقرت البغال ، فمن ناقر بشكاله وناهض بعقاله ، فعلمنا أن قد أتينا وادي السبع ، ففزع كل امرئ منا إلى سيفه ، فاستله من جربانه ، ثم وقفنا رزدقا ، فأقبل يتظالع من بغيه كأنه مجنوب ، أوفي هجار لصدره نحيط ولبلاعيمه غطيط ، ولطرفه وميض ولأرساغه نقيض ، كأنما يخبط هشيما