يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

393

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

ثم لما كان الوليد بن عبد الملك زاد في حليها ، وصرف في ميزابها وسقفها ما كان في مائدة سليمان عليه السلام من ذهب وفضة ، وكانت قد احتملت على بغل قوي فتفسخ تحتها فضرب منها الوليد حلية للكعبة . فلما كان أبو جعفر المنصور وابنه محمد الهادي زاد أيضا في إتقان المسجد وتحسين هيئته ، ولم يحدث فيه بعد ذلك عمل إلى الآن . نقلت هذه الأخبار من كتاب الأستاذ أبي القاسم السهيلي رحمه اللّه ، في شرح السيرة ، وقال بعد تمام هذا الخبر وفي اشتراء عمر وعثمان رضي اللّه عنهما الدور التي زادا فيها دليل على أن رباع مكة ملك لأهلها ، يتصرفون فيها بالبيع والشراء إذا شاؤوا ، وفي ذلك اختلاف . ذكر زمزم : وذكر رحمه اللّه في حديث زمزم كلاما بديعا أثبته هنا فكن له سميعا ، قال : كانت زمزم سقيا إسماعيل عليه السلام ، فجّرها له روح القدس بعقبه ، وفي تفجيره إياها بالعقب دون أن يفجرها باليد أو غيرها إشارة إلى أنها لعقبه وراثة ، وهو محمد وأمته ، كما قال سبحانه : وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ [ الزخرف : 28 ] أي : في أمة محمد . ثم إن زمزم لما أحدثت جرهم في الحرم واستخفوا بالمناسك والحرم ، وبغى بعضهم على بعض واجترم ، تغوّر ماء زمزم واكتتم ، فلما أخرج اللّه جرهم من مكة بالأسباب التي أحدثوها ، عمد الحارث بن مضاض الأصغر إلى ما كان عنده من مال الكعبة ، وفيه غزالان من ذهب وأسياف قلعية ، كان ساسان ملك الفرس قد أهداها إلى الكعبة ، وقيل سابور ، وكانت الأوائل من ملوك الفرس تحجها إلى عهد ساسان أو سابور ، فلما علم ابن مضاض أنه مخرج منها ؛ جاء تحت الليل حتى دفن ذلك في زمزم وعفي عليها ، ولم تزل دارسة عافيا أثرها حتى آن مولد المبارك الذي كان يستسقى بوجهه غيث السماء ، وينفجر من بنانه ينابيع الماء ، صاحب الكوثر والحوض والرواء ، فلما آن ظهوره أذن اللّه تعالى لسقيا اللّه أن تظهر ، ولما اندفن من مائها أن يجهر ، فكان صلى اللّه عليه وسلم قد سقيت الناس من بركته قبل أن يولد ، وسقوا بدعوته وهو طفل ، حين أجدب بهم البلد ، وذلك حين خرج به جدّه مستسقيا لقريش ، وسقيت الخلائق كلها غيوث السماء في حياته صلى اللّه عليه وسلم ، الفئة بعد الفئة والمرة بعد المرة ، تارة بدعائه وتارة من بنانه وتارة بإلقاء سهمه ، ثم بعد موته استشفع عمر بعمه إلى اللّه تعالى عام الرمادة ، وأقسم عليه به وبنبيه ، فلم يبرح حتى قلصوا المآزر واعتلقوا الحذاء وخاضوا الغدران ، وسمعت الرفاق المقبلة إلى المدينة صائحا يصيح في السحاب : أتاك الغوث أبا حفص ، كل ذلك ببركة المنبعث بالرحمتين ، والداعي إلى الحياتين ،