يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
389
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
وروي في سبب بنيان البيت أن اللّه سبحانه لمّا قال للملائكة : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [ البقرة : 30 ] الآية ، خافوا أن يكون اللّه عاتبا عليهم لاعتراضهم في علمه ، فطافوا بالعرش سبعا يسترضون ربهم ويتضرعون إليه ، فأمرهم اللّه سبحانه أن يبنوا البيت المعمور في السماء السابعة ، وأن يجعلوا طوافهم به ، فكان ذلك أهون عليهم من الطواف بالعرش . ثم أمرهم أن يبنوا في كل سماء بيتا وفي كل أرض بيتا . قال مجاهد : هي أربعة عشر بيتا كل واحد منها مسامت لصاحبه ، أي : في مقابلته ، لو سقطت لسقط بعضها على بعض . وروي أن الملائكة حين أسست الكعبة انشقت الأرض إلى منتهاها وقذفت فيها حجارة أمثال الإبل ، فتلك القواعد من البيت التي رفع عليها إبراهيم وإسماعيل البيت ، فلما جاء الطوفان رفعت وأودع الحجر الأسود أبا قبيس . وذكر ابن هشام أن الماء لم يعلها حين الطوفان ، ولكنه قام حولها ، وبقيت هي في خواء إلى السماء ، وأن نوحا عليه السلام قال لأهل السفينة وهي تطوف بالبيت : أنتم في حرم اللّه وحول بيته فأحرموا للّه ، ولا يمس أحدكم امرأة ، وجعل بينهم وبين النساء حاجزا ، فتعدّى حام فدعا عليه نوح عليه السلام أن يسودّ لون بنيه ، فاسودّ كوش بن حام ونسله إلى يوم القيامة . وقد قيل سبب دعوة نوح على حام غير هذا واللّه أعلم . فلما نضب ماء الطوفان كان مكان البيت ربوة من مدرة ، وحج إليه هود وصالح ومن آمن معهما وهو كذلك . ويذكر أن يعرب قال لهود عليه السلام : ألا نبنيه ؟ قال : إنما يبنيه نبي كريم يأتي بعدي ، يتخذه الرحمن خليلا ، فلما بعث اللّه إبراهيم عليه السلام وشب إسماعيل ، أمر إبراهيم ببناء الكعبة ، فنزلت عليه السكينة وظللت له على موضع البيت ، فكانت عليه كالجحفة ، فلما بلغ إبراهيم عليه السلام الركن جاءه جبريل عليه السلام بالحجر الأسود من جوف أبي قبيس . وروى الترمذي عن ابن عباس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : أنزل الحجر من الجنة أشد بياضا من اللبن فسوّدته خطايا بني آدم . وعنه : واللّه ليبعثنه اللّه يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق . وروى الترمذي أيضا مرفوعا أن الحجر الأسود والركن اليماني ياقوتتان من الجنة ، ولولا ما طمس من نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب . وفي رواية غيره : ولأبرأا من استلمهما من الخرس والجذام والبرص . وروى غير الترمذي من طريق علي رضي اللّه عنه أن العهد الذي أخذه اللّه على ذرية آدم حين مسح ظهره أن لا يشركوا به شيئا ، كتبه في صك وألقمه الحجر الأسود ، ولذلك يقول المستلم : إيمانا بك ووفاء بعهدك . وذكر هذا الخبر