يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

36

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

ووصف يحيى بن زياد رجلا بالبلاغة فقال : أخذ بزمام الكلام فقاده أحسن مقاد وساقه أحسن مساق ، فاسترجع به القلوب النافرة واستصرف به الأبصار الطامحة . وقال العتبي : قيل لمسلمة بن بلال العبدي : خطب جعفر بن سليمان خطبة لم نر أحسن منها وما درينا أوجهه كان أحسن أم كلامه ، فقال : أولئك قوم بوجه الخلافة يشرقون ، وبلسان النبوّة ينطقون . وسأل المأمون العباس بن الحسن الطالبي عن رجل فقال : رأيت له حلما وأناة ولم أر هناك عجلة ، لا تسمع له لحنا ولا إحالة ، يحدّثك الحديث على مطاويه ، وينشدك الشعر على مدارجه ، ويخبرك بالأخبار المتقنة ، ويرمي إليك بالأمثال المحكمة . وقال الكسائي : لقيني أعرابي بمكة فجعلت أسأله وألح عليه ، فقال : ما رأيت رجلا أقدر على كلمة إلى جنبها كلمة أشبه شيء بها وأبعد شيء منها منك . وقيل لرجل قرشي : ما بال العرب تطيب كلامها وتقصرونه معاشر قريش ؟ فقال : بالجندل يرمي الجندل ، إنّ كلامنا يقل لفظه ويكثر معناه ويكتفى بأوّله ويستغنى بآخره . وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي وسمع شاعرا ينشد شعرا وقد أساء قولا وإنشادا : إنّ من الشعر بيوتا ملس المتون قليلة العيون ، إن فقدتها لم تبالها وإن سمعتها لم تتفكه بها . كذا رأيته : قليلة العيون ، وأظنه : كليلة ، واللّه أعلم . وقال إسحاق بن إبراهيم هذا : أنشدت الرشيد شعرا مدحته به أقول فيه : وآمرة بالبخل قلت لها اقصري * فليس إلى ما تأمرين سبيل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى * ورأي أمير المؤمنين جميل قال : فالتفت إليّ الفضل بن الربيع وقال : يا عباسي ، قاتل اللّه أبياتا لا يزال يأتينا بها الموصلي ، فما أشدّ أصولها وأقل فضولها وأحسن فصولها . وقال الموصلي : ذكر أعرابي عشيرة رجل بجودة الشعر ، فقال : ما بين التراب والسحاب أشعر من أسرته . وذكر رجل كاتبا ، فقال : جمع الدنيا بين طرف لسانه وسن قلمه وخط يده وفصّ خاتمه ، ومدح شاعر كاتبا فقال : إن هزّ أقلامه يوما ليعملها * أنساك كل كميّ هز عامله وإن أقرّ على رق أنامله * أقرّ بالرّق كتاب الأنام له وهذا البيت من أبدع كلام سمع وأبرع التزام جمع . وسمع رجل رجلا يتكلم فيحسن ، فقال له : أبلغت وأوجزت وسهلت ، وكنت كالماء في الرقة ، والجوهر في اللطف ، والنار في الذكاء ، وكلامك أخصب من الروض