يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
34
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
الأمة ، أهل الفضل والعلم الذين حفظوا على الأواخر علم الأوائل ، وما أغفلوا منه لفظة حتى ذكروا في كتبهم ، مثل : حبطقطق وبشقشق ، وغير ذلك مما ترى بعضه في هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى . وهل هذه الألفاظ وغيرها إلا آلة من آلات العلم وأداة من أدواته ، ومن لم يدر لسانا ولا لغة فكيف يفهم أو بم يتكلم . وقد قال بعض الحكماء : ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم ، أو أيّ شيء فاته من أدرك العلم . وقال ابن المبارك : عجبت لمن لم يطلب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة ؟ ترى أحدا من هذه الجماعة ذمّ أهل الصناعة ، كيف وعلم اللسان هو نصف الإنسان . ومن لم يكن له لسان فهو أخرس ، ومن كان أخرس فهو بهيمة ، واللّه تعالى يقول : الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ [ الرحمن : 1 - 4 ] ، وقال تعالى : الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ العلق : 4 - 5 ] . وقالوا : ما الإنسان لولا البيان إلا سورة ممثلة أو بهيمة مهملة ، وإنما المكروه في هذا الشأن من قطع عمره كله بهذا الفن ولم يحسن غيره ، وأفنى زمانه فيه ولم يشتغل بسواه . هذا عنده آلات كثيرة لم يعملها في غيرها ، وإنما أتقن بعضها ببعض وقعد ، وغيره استعمل هذه الآلات في سائر الصناعات ، فأحر بهذا أن يكون أعلى من ذلك وأنفس وأحذق وأكيس ، وباب العمل بالعلم باب آخر قد تقدم منه طرف ، وستطلع منه في هذا الكتاب على أبواب كثيرة بحول اللّه تعالى . فائدة : [ ودونك أيها الولد فائدة زائدة ظريفة أدبية ، . . . ] ودونك أيها الولد فائدة زائدة ظريفة أدبية ، شريفة لغوية ، تقدم حبطقطق ، وهذه اللفظة وقعت في بيت من الشعر أنشده المازني رحمه اللّه ، وهو : جرت الخيل فقالت * حبطقطق حبطقطق يحكي صوت جري الخيل ، كما قالوا : الطقطقة ، أصوات حوافر الدواب ، مثل الدقدقة ، وكما قالوا : جلنبلق ، لصوت الباب إذا فتح وإذا أغلق ، ويكون الباب جافيا ضخما ، قال الشاعر : فتفتحه طورا وطورا تجيفه * فتسمع في الحالين منه جلنبلق أنشده المازني وساقه أهل اللغة شاهدا على أنه لا يوجد جيم وقاف في كلمة واحدة من كلام العرب إلا أن يكون معرّبا أو حكاية صوت ، نحو : الجردقة ، وهي الرغيف ، والجرموق الذي يلبس فوق الخف ، والجرامقة : قوم بالموصل أصلهم من العجم ، والجوسق : القصر ، وجلق بكسر الجيم واللام مع التشديد : موضع بالشام ، والجوالق : الوعاء ، بضم الجيم ، وجمعه جوالق بفتحها ، وغير ذلك أشياء قليل عددها ،