يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

33

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

فأخطأ في قراءته ، أو خطب فأرتج عليه أو سئل عن مسألة فلم يدر ما يقول فيها ، أو كتب رسالة أو قال شعرا فأخطأ فيه أو لحن أو كسر ، لا يعز ذلك عليه ولا يباليه ولا يهتم به ولا يكترث له ، وهؤلاء هم القدوة وفيهم الأسوة . وأما أمثالنا فأيّنا الذي إذا أخطأ أو لحن لا يحزن لذلك ولا يغتم ، بل ليته لا يموت كمدا ويذوب حياء لا سيما إن كان ذلك بحضرة من يتعين ، بل ليته لا يعتذر من ذلك كأنه أذنب ذنبا ، بل ليته لا يكذب في اعتذاره . أم أيّنا الذي لا يفرح إذا قيل له إنك لفصيح وإنّ خطّك لمليح وإن شعرك لطيب وإنّ صوتك لحسن وإنك لمتقن وسريع الحفظ ، بل ليته لا يغضب على من لا يبتديه بذلك . يا أخي هذه منزلة ما بلغتها أنا بعد نعم ولا تحدّثني نفسي بها إلا أن يتداركني اللّه كما تدارك أولئك القوم ، فهو مولانا كما هو مولاهم ونحن عبيده كما هم . ونحن الآن والحمد للّه أحسن من غيرنا ممن ألّف كتبا في الأهجاء والأمداح وأبواب اللهو والمزاح ومدح الراحة والراح . وقد قيل لابن الأحنف : ما لك لا تكون كأبيك ؟ قال : دعوا أبي وقيسوني بأبنائكم . وقلما يشبه المرء أباه في العلم والحلم ، وفي ذلك يقول الشاعر : إذا ما رأيت امرأ حاذقا * فكن في ابنه سيئ الاعتقاد فما إن ترى من نجيب نجيبا * وهل تلد النار إلا الرماد وكان لمالك بن أنس رضي اللّه عنه ولد يدخل ويخرج ولا يجلس معه في مجالس العلم ، فكان إذا نظر إليه يقول : هاه إن مما يطيب نفسي أنّ هذا العلم لا يورث وأنّ أحدا لا يخلف أباه في مجلسه إلا عبد الرحمن بن القاسم . ورآه يوما نازلا من فوق ومعه حمام قد غطاه ، قال فعلم مالك أنه قد فهمه الناس فقال : الأدب أدب اللّه لا أدب الآباء والأمهات ، والخير خير اللّه لا خير الآباء والأمهات . وسأل سفيان بن عيينة رحمه اللّه رجل فقال : يا أبا محمد نشدتك باللّه أطلبت هذا العلم يوما طلبته للّه ، فأعرض عنه سفيان ، وسأله ثانية وثالثة ، فقال سفيان : اللهم لا إنا طلبناه تأدبا وتظرفا ، فأبى اللّه إلا أن يكون له . وهذا الفنّ الذي أخذت أنا فيه سأحتج عليه بما لا ينفيه قد قالت الفقهاء : ما يتم الفرض إلا به فهو فرض مثله ، أليس علم اللغة واللسان العربي مما لا يفهم كتاب اللّه إلا بهما ، وكذلك حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وليت شعري ، هل كان الفضيل بن عياض وسفيان الثوري ونظراؤهما من أهل العلم ممن لا يعد كثرة يجهلون هذا الشأن ، وهل بلغوا إلى ما بلغوا إلا بالعلم ؟ بهذا وغيره وكذلك جميع ما في هذا الكتاب مذكور ، هل هو إلا من كتب الأئمة مصابيح