يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

324

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وتقدّم : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] ، وأخبار اللّه في الماضي والمستقبل سواء ، وأمر اللّه : عقابه لمن أقام على الشرك به وتكذيب رسوله عليه الصلاة والسلام ، وقيل : أمره ما جاء به القرآن من فرائضه وأحكامه ، وقيل : أمره نصره ، وقيل : هو القيامة ، وقيل : المعنى أتت أشراط الساعة وما يدل على قربها ، وقيل : هو ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم كقوله تعالى : حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ [ هود : 40 ] ، ذكر ذلك المهدوي . آتى : وتقدّم أتي بمعنى جاء ، وآتى بمعنى أعطى ، وفي القرآن العزيز ما يقرأ بالوجهين ويكون بالمعنيين ، من ذلك قوله تعالى : وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها [ الأنبياء : 47 ] يعني جئنا ، وقد قرئ : ( آتينا ) بمعنى أعطينا ، يعني جازينا بها ، وكذلك قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [ المؤمنون : 60 ] بمعنى يعطون ما أعطوا وقلوبهم وجلة أي : خائفة ، وفي الآية تخويف شديد لهذه الأمة . وذلك أن عائشة رضي اللّه عنها قالت : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قول اللّه عزّ وجلّ : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [ المؤمنون : 60 ] أهو الرجل يزني ويسرق أو يشرب الخمر ؟ فقال : لا يا ابنة الصّدّيق ، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدّق ويخاف أن لا يتقبل منه ، ذكره أبو جعفر النحاس وقال : هكذا روي ، ومعناه يعطون ، ولكن المعروف من قراءة ابن عباس : ( والذين يؤتوا ما أتوا ) بالقصر ، وهي القراءة المروية عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وعن عائشة رضي اللّه عنها ، ومعناها : يعملون ما عملوا . ومثل ما تقدّم قوله تعالى : ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها [ الأحزاب : 14 ] يقرأ بالقصر بمعنى لجاؤوها ، وبالمد بمعنى أعطوها . وفي الرقائق عن الحسن : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [ المؤمنون : 60 ] ، قال : يعطون ما أعطوا وقلوبهم وجلة ، قال : يعملون من أعمال البر وهم يحسبون أنه لا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم . وتقدّم الميتاء ، ومنه حديثه عليه السلام أنه بكى على ابنه إبراهيم عليه السلام ، وقال : إنه لولا وعد حق وقول صدق وطريق ميتاء لحزنّا عليك يا إبراهيم أشدّ من حزننا . وفي هذا الحديث رخصة في البكاء ما لم يكن صوت ولا كلام قبيح ، كما قال عليه السلام إذ بكى : تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ، أو كما قال عليه السلام . والفرح والحزن حالان يجعلهما اللّه في العبد لا يقدر أن يدفعهما عن نفسه ، فليس عليه في ذلك إثم إلا أن يتكلم بمحظور ،