يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
32
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
الدنيا ، وخير من جمع المال ، وتعلمه أنفع من تعلم الصناعة ، إذ هو إن أعطيته من كل حرفة أجود ، ومن كل صنعة أعود ، وأنت فإن كانت لك همّة وتذوّقته فلن تتركه ولو نهيت عنه ، وأيضا فلن يمنعك عن طلب ما يكفيك من الدنيا إذا قنعت به ، وأما أنا فإنّما وضعت نوعا من العلم وضربا من اللغات كما وضعه غيري ، بل إنّما أخذت من تآليفهم وتطفلت على تصانيفهم ، فإن قلت : وأنت ؟ فهذا الذي ألفته وجمعته ، وفي هذا الكتاب أثبته ووضعته ، أحذر أن يكون من باب المباهاة والافتخار والمراآة والاشتهار ، وكم ضيعت فيه من زمان وعطلت عليه من أوان ، وقد كان الاشتغال بذكر المولى أحق منه وأولى . وقد جاء عن سفيان الثوري أنه خلا مع الفضيل بن عياض رضي اللّه عنهما ، فتذاكرا وبكيا فقال سفيان للفضيل : إني لأرجو أن لا نكون جلسنا مجلسا أعظم بركة من هذا المجلس ، فقال الفضيل : لكني أخاف أن لا نكون جلسنا مجلسا أضرّ علينا منه ، قال : ولم يا أبا علي ؟ قال : ألست قصدت إلى أحسن حديثك فحدّثتني به ، وقصدت أنا إلى أحسن حديثي فحدّثتك به ، فتزينت لي وتزينت لك ، فبكى سفيان أشدّ من بكائه الأوّل وقال : أحييتني أحياك اللّه . ومثل هذا اعترى للفضيل قصده رجل فلما علم بإقباله نحوه قفل بابه من خارج ، فلما جاء الرجل ورأى الباب مقفلا انصرف ، فقيل له في ذلك ، فقال : ما يصنع بي ؟ يظهر لي محاسن كلامه وأظهر له محاسن كلامي . وهذا عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه كتب يوما كتابا أعجبه فمزّقه ، إلى عير ذلك من أخبار الصالحين ومراعاتهم لأوقاتهم أن لا تذهب سدى . كما يروى عن عطاء أنه قال : كنت مع سفيان الثوري رضي اللّه عنهما بمكة في المسجد الحرام ونحن نتحدّث ، إذ قال لي سفيان : يا عطاء نحن جلوس والنهار يعمل عمله ، قلت : إنّا لفي خير إن شاء اللّه ، قال : أجل ولكنّا نتلذّذ به . ثم قال : يا عطاء إنّ المؤمن ليرى في الموقف بعينه ما أعدّ اللّه له في الجنة ، وهو مع ذلك يتمنّى أنه لم يخلق ، لشدّة ما هو فيه . مع أشياء سوى هذا تروى عن أهل الفضل مع قول الحكيم : فلا تكتب بكفّك غير شيء * يسرّك في القيامة أن تراه فأين أنت من هؤلاء الرجال ؟ وأين حالك من هذه الأحوال ؟ فأقول : لكل مقام مقال ولكل زمان رجال ، وعلى كل كلام جواب وفي كل مسألة باب ، أوّل ما أقول لك في ذلك : لسنا نحن كأولئك ، لم نبلغ بعد إلى مرتبتهم ولا ارتقينا إلى درجتهم ، أولئك قوم كفوا عن الحرام فكفوا وصفوا من الآثام فاصطفوا ، ونحن خلطنا وخبطنا فحططنا وحبطنا وظلمنا فأظلمنا وما ظلمنا ، أسألك بحق ربك أين الذي إذا صلى بالناس جهرا