يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
257
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
آية من سورة وأخرى من أخرى ، فسأله فقال : أخلط الطيب بالطيب ، والكل عنده طيب لا محالة ، ولكن يخلق اللّه في العبد عند ذكر شيء ما لا يخلقه عند غيره ، ألا ترى أنه يخلق فيك من السرور به إذا أعطاك وأنعم عليك ما لا يخلقه إذا منعك وأصابك بمصيبة ، مع اعتقادك أنه نظر منه لك إذ لا يمنع من بخل ولا عدم ، بل يأخذ ليعطي ويبلي ليجزي ، كما ورد الحديث ، ولكن النفس أمّارة بالسوء تحبّ المسار وتكره المضارّ ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [ البقرة : 216 ] ، و لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [ الحديد : 23 ] . قال الأستاذ رحمه اللّه عند ذكر حديث أبيّ رضي اللّه عنه : ومحال أن يريد بقوله : أعظم معنى عظيم ، لأن القرآن كله عظيم ، فكيف يقول له : أيّ آية في القرآن عظيمة ، وكل آية فيه عظيمة كذلك ، وإنما سأله عن الأعظم منه والأفضل في ثواب التلاوة وقرب الإجابة . وفي الحديث دليل أيضا على ثبوت الاسم الأعظم ، وأن للّه اسما هو أعظم أسمائه ، ومحال أن يخلو القرآن عن ذلك الاسم ، واللّه تعالى يقول : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] فهو في القرآن لا محالة ، وما كان اللّه ليحرمه محمدا صلى اللّه عليه وسلم وأمّته ، وقد فضّله على الأنبياء وفضّلهم على الأمم . فإن قلت : فأين هو في القرآن ؛ فقد قيل : إنه أخفي فيه كما أخفيت الساعة في يوم الجمعة وليلة القدر في رمضان ، ليجتهد الناس ولا يتكلوا . وفي قوله عليه السلام لأبيّ : أيّ آية معك في كتاب اللّه أعظم ، ولم يقل : أفضل ، إشارة إلى الاسم الأعظم أنه فيها ، إذ لا يتصور أن تكون هي أعظم آية ، ويكون الاسم الأعظم في أخرى ، بل إنما صارت أعظم الآيات لأنّ الاسم الأعظم فيها ، ألا ترى كيف هنّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبيا بما أعطاه اللّه من العلم ، وما هناه إلا بعظيم بأن عرف الاسم الأعظم والآية العظمى التي كانت الأمم قبلنا لا يعلمه منهم إلا الأفراد مثل عبد اللّه بن التامر ، وآصف بن برخيا صاحب سليمان عليه السلام ، وبلعوم قبل أن يتبعه الشيطان ، فكان من الغاوين ، وكان هذا الاسم عندهم مصونا غير مبتذل ، ومعظما لا يمسه إلا المطهرون ، ولا يلفظ به إلا طاهر ، ويكون الذي يعرفه عاملا بمقتضاه متولها لحبه ، قد امتلأ قلبه بعظمة المسمى به ، لا يلتفت إلى غيره ولا يخاف سواه ، فلما ابتذل وتكلم به في معرض البطالات والهزل ولم يعمل بمقتضاه ؛ ذهبت من القلوب هيبته ، فلم يكن فيه من سرعة الإجابة وتعجيل قضاء الحاجة للدّأعي ما كان قبل ، ألا ترى إلى قول أيوب