يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

221

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

أي عالمون بالأحداث ، وقيل كرسيه : ملكه . وقال الحسن : الكرسي : العرش . وكان الأستاذ رحمه اللّه يقوّي هذا القول لأنه لم يرد أن العلم وسع الكرسي فما دونه دون ما فوقه ، فجائز أن يريد به العرش وما تحته ، واللّه أعلم . ويستشهد بما ذكره ثابت بن قيس خطيب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في خطبته إذ يقول فيها : وسع كرسيه علمه ، فليس الكرسي على هذا علمه ، واللّه أعلم . فصل : [ وقد تقدّم أن العرش أكبر المخلوقات ، . . . ] وقد تقدّم أن العرش أكبر المخلوقات ، وأنه لا يعلم قدره إلا الذي خلقه ، وأنه مختص بالعلوّ والارتفاع فوق جميع ما خلق ، وقد جاء في القرآن العزيز ذكره وأنه تحمله الملائكة ، وجاء في الخبر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : أذن لي أن أحدّث عن ملك من ملائكة حملة العرش ، ما بين شحمة أذنه وعاتقه يخفق الطير سبعمائة عان . والعرش في اللغة : السرير . وكذلك فسر ابن عباس قوله تعالى : وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ [ النمل : 23 ] أي سرير كريم في حسن الصنعة وغلاء الثمن ، ذكره البخاري ، يريد بذلك بلقيس . والكرسي في عرف اللغة : ما يقعد عليه أو يرقى به إلى السرير ، قال ابن أبي زمنين في كتابه في أصول السنة : ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش ، وأنه موضع القدمين ، واللّه تعالى يتعالى عن التحديد والتشبيه والتكييف ، وهذه المخلوقات التي أظهرها لا شك أن بعضها أكبر من بعض وأعلى من بعض ، والعرش أعلى خلقه وأكبر ، وهو غني عن جميع ما خلق غير محتاج إليه ، وإنما هو ملك أظهره وليس ما أظهره لنا وعلمناه كنه خلقه ، بل هو بعض خلقه ، إذ يقول سبحانه : وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ [ النحل : 8 ] . وقد جاء في الخبر أن السماوات والأرض والدنيا والآخرة والجنة والنار في جوف الكرسي والكرسي نور يتلألأ ، وقد تقدّم أن العرش أكبر المخلوقات وأكبر من الكرسي ، وليس العرش والكرسي إلا التشبيه في الرفعة ، كما أضاف الكعبة التي في الأرض عندنا إليه وسماها بيته ، فيقال : بيت اللّه ، كما أضاف المساجد أيضا إليه ، فيقال : بيوت اللّه ، والبيت عندنا إنما هو معدّ للسكنى ، واللّه تعالى يتعالى عن صفات البشرية كلها في جميع صفاته . وقد ذكر أبو طالب المكي أيضا بسنده إلى مجاهد في قوله تعالى : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الإسراء : 79 ] يقعده على العرش ، وهبه لحبيبه في الآخرة فجعله مكانه تفضيلا له وتشريفا ، ليكون هناك فوق المرسلين في الجلالة كما كان آخرهم في الرسالة ، فيحتمل واللّه أعلم أن يكون خلقه من أجله