يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

219

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

الاستواء هو العلوّ ، والعلوّ راجع إلى استحقاق صفات المدح ، ويتضمن القهر والغلبة ، كما يقال : استوى فلان على العراق بمعنى : استولى وغلب ، واللّه أعلم . وسئل جعفر بن نصير عن ذلك فقال : استوى علمه بكل شيء ، وليس شيء أقرب إليه من شيء . وقال جعفر الصادق : من زعم أن اللّه تعالى في شيء أو من شيء أو على شيء فقد أشرك ، لو كان على شيء لكان محمولا ، ولو كان في شيء لكان محصورا ، ولو كان من شيء لكان محدثا . وسئل مالك رضي اللّه عنه عن ذلك فقال : الاستواء منه غير مجهول ، والكيف منه غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة . وقال للسائل : وإني أخاف أن تكون ضالا . وجاء في العرش أنه أعلى المخلوقات كلها ، فإنه أكبر خلق اللّه تعالى ، وهو فوق الجنان كالسقف لها ، والكرسي دون العرش في المنزلة والقدر . يقال : ما السماوات السبع والأرضون السبع والكرسي في العرش إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض ، واستعظم قدرة اللّه وخلقه ، وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ [ النحل : 8 ] وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [ البقرة : 255 ] . ويروى عن عكرمة أنه قال : ما أعطى اللّه عبده من النور في عينيه أن لو جعل نور جميع أعين خلق اللّه من الجنّ والإنس والدواب وكل شيء مما خلق اللّه فجعل نور أعينهم في عين عبد من عباده ثم كشف عن الشمس سترا واحدا ودونها سترا ما قدر على أن ينظر إلى الشمس ، والشمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي ، والكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش ، والعرش جزء من سبعين جزءا من السترة . قال عكرمة : فانظر ماذا أعطى اللّه عبده من النور ، ينظر إلى وجه ربه الكريم عيانا ، يعني بالسترة في هذا الخبر واللّه أعلم : الحجاب . وقد جاء في الحديث : حجابه النور . وعن مجاهد قال : بين الملائكة وبين العرش سبعون حجابا : حجاب من نور ، وحجاب من ظلمة ، وحجاب من نور ، وحجاب من ظلمة . وجاء في حديث آخر : ما بين كل حجابين كما بين السماء والأرض . وسيأتي الكلام في الحجاب ، وأنه في أبصارنا ما يخلق اللّه فيها من الموانع ، وإن لم تعتقد هذا ، والأسبق إلى الوهم أن الحجاب أكبر من اللّه سبحانه وتعالى ، إذ يستره على تخيلك ، وهذا محال ، واللّه أكبر من كل شيء وأعظم وأجلّ سبحانه وتعالى ، فنحن إذا المحجوبون ، كما قال تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [ المطففين : 15 ] ، انظره في باب الذال عند ذكر