يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
217
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فصل : ومما يمنع منه السؤال بأين : قيل لصوفيّ : أين اللّه ؟ فقال : أتطلب مع العين أين ؟ . وقد سئل علي بن أبي طالب : أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض ؟ فقال : أين توجب المكان وكان اللّه ولامكان . وقال لآخر وقد سأله : أين اللّه ؟ فقال : الذي أين الأين لا يقال فيه أين ، فبيّن للسائل فساد سؤاله بأن الأينية مخلوقة وكان قبلها سبحانه وتعالى . قال الأستاذ رحمه اللّه : مثال هذا السائل كمن سأل عن نور العلم أو ظلم الشك ، يريد في فساده . وقيل ليحيى بن معاذ : أخبرنا عن اللّه ، فقال : إله واحد ، فقيل : كيف هو ؟ فقال : هو ملك قادر ، فقيل له : أين هو ؟ قال : بالمرصاد ، فقال السائل : لم أسألك عن هذا ، فقال : ما كان غير هذا مزيدا كان من صفة المخلوقين ، فأما صفته فما أخبرنا عنه . وقال بعض العلماء : وجائز أن نسأل عن اللّه بأين ، ونجيب عنه بما يليق باللّه ، مثل أن تقول : أين اللّه من قلبك أو من ذكر محله ، كما قال الشاعر : فأين اللّه والقدر وكما قالت الأمة للنبي صلى اللّه عليه وسلم حين قال لها : أين اللّه ؟ قالت : في السماء ، لم ترد المكان إنما أرادت الرفعة والعلو . كما يقال : فلان في السماء ، إذا أرادوا مكانته ورفعته في جاه أو علم ، وحسن قولها في السماء أنها كانت في زمان المشركين ، وكانوا يعبدون آلهة كثيرة في الأرض من الأصنام والأوثان ، فنفت تلك وأشارت إلى المعبود في السماء ، كما قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [ الزخرف : 84 ] ، وقال تعالى : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ [ الملك : 16 ] ، واللّه تعالى أعلم . وكذلك تقول في المكان : مكان اللّه من قلبي معظم ، أي : أعرف قدره وأحبه بقلبي ، ويستشهد على هذا المعنى بقول عباس بن مرداس للنبي صلى اللّه عليه وسلم : فمن مبلغ عني النبي محمدا * وكل امرئ يجزى بما قد تكلما تعالى علوا فوق عرش الهنا * وكان مكان اللّه أعلى وأعظما فلم يرد عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم لعلمه بمراده ، وقال الشاعر : قلت له والرحيل يعجله * وقد تدانى الفراق أين أنا