يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

214

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

أعلم بحقائق الأمور وبما أراد رسوله صلى اللّه عليه وسلم من ذلك . ورأيت في بعض الحكم من ترك التوهيم في صفة اللّه تعالى وفي الشك والنفاق ، ولذلك قيل : تفكروا في مخلوقاته لا في ذاته . وقال أبو طالب المكي رحمه اللّه : صفات الشهيد لا تشهد بنور العقل وإنما تشهد بنور اليقين ، ونور اليقين من نور القادر ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] . وقال سهل رحمه اللّه : اثبتوا الرؤية فإن خالج قلوبكم التشبيه ورأيتم ذلك فانفوا التشبيه في اللّه تعالى وأثبتوا الرؤية ونزهوه عن الأشياء والأشباح . وقال غيره : ظاهر التوحيد لا يجري على ترتيب العقول ولا يمثل بقياس العقول ، لأن نفي الصفات أو إثباتها بالممثلات موجود في رأي العقول ، كما أن الفكر والإضلال موجود في طبائع النفوس لعدم مشاهدة الأبصار ، ولفقد وجود الإلهية في تخييل الأفكار ، ولجريان المعتاد من ظهور الأسباب . كما يروى أن بعض الصدّيقين دعا إلى اللّه بحقيقة التوحيد فلم يستجب له إلا الواحد بعد الواحد ، فعجب من ذلك ، فأوحى اللّه إليه : تريد أن تستجيب لك العقول ؟ قال : نعم ، قال : احجبني عنهم ، قال : كيف أحجبك وأنا أدعو إليك ؟ قال : تكلم في الأسباب وفي أسباب الأسباب ، قال : فدعا إلى اللّه من هذه الطريق ، فاستجاب له الجم الغفير ، فإنما صحة التوحيد بإثبات الصفات وأوصاف الذات التي جاءت بها السنن وشرعها الرسول مع نفي الشبهة والماهية ونفي الجنس والكيفية ثم سكون القلب وطمأنينة العقل إلى الإيمان بهذا والتسليم له لأجل نور الإيمان الموهوب ، لأن هذا إنما يشهد بنور اليقين وعلمه لا بعلم العقل ونوره ، والعقل مرآة الدنيا بنوره يشهد ما فيها ، والإيمان مرآة الآخرة به ينظر إليها فيؤمن بما فيها ، واللّه تعالى إنما يرى بنور اليقين ، وفي هذا النور مشاهدة الصفات وهي حقيقة الإيمان ، وأعز ما نزل من السماوات هو السكينة المنزلة في قلوب المؤمنين لتزايد الإيمان ، لأنا أخذنا الإيمان بمشيئة اللّه تعالى ورحمته من قبل التصديق واليقين والنقل لا من قبل التقليد وحسن الظن والعقل . سأل أعرابي محمد بن الحسين رضي اللّه عنه فقال له : هل رأيت اللّه حين عبدته ؟ قال : لم أكن لأعبد ربا لم أره ، قال : فكيف رأيته ؟ قال : لم تره الأبصار بمشاهدة العيان لكن رأته القلوب بحقيقة الإيمان ، لا يدرك بالحواس ولا يشبه الناس ، معروف بالآيات منعوت بالعلامات لا يجور في القضيات ، ذلك اللّه الذي لا إله إلا هو ، فقال الأعرابي : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الأنعام : 124 ] .