يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
215
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
وقالوا : أربعة أشياء تسلم تسليما ولا تعارض اعتراضا : أخبار الصفات وأوصل العبادات وفضائل الصحابة وفضائل الأعمال ، ولولا أن اللّه تعالى تولى قلوب المؤمنين فحبب الإيمان إليها وزينه فيها وكره الكفر وشانه عندها لتاهوا في الظلمات وغرقوا في بحار الهلكات لظهور الاعتباد ومعاينة الأسباب ولمغيب القدرة عن العيان ، ولما ابتلوا به من الحجب والأعيان ، ولكنّ اللّه سلم وحبب الإيمان في القلوب وزيّن وكرّه الكفر والعصيان وشين . وقال تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] فلو لا أنهم كانوا في ظلمة الطبع ما امتن عليهم بإخراجهم منها إلى ما أدخل عليهم من نور اليقين . وجاء في الخبر أن اللّه تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره ، فمن أصابه اهتدى ومن أخطأ ضلّ . وفي أحد المعاني من قوله تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [ الرعد : 39 ] قال : يمحو الأسباب من قلوب الموحدين ويثبت نفسه ، ويمحو الوحدانية من قلوب الناظرين ويثبت الأسباب . وسئل بعض العارفين عن علم الباطن ، فقال : هو سرّ من أسرار اللّه تعالى يقذفه في قلوب أحبابه لم يطلع عليه ملكا ولا بشرا ، وهو من نور الهداية المخصوص به الأنبياء ومن اصطفى من الأولياء . ومن أحسن ما رأيت في المعرفة قول الحسين بن منصور رحمه اللّه : ألزم اللّه لكل الحدوث لأن القدم له ، فالذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه ، والذي بالأداة اجتماعه فقوتها تمسكه ، والذي يؤلفه وقت يفرقه وقت ، والذي يقيمه غيره فالضرورة تمسه ، والذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي إليه ، ومن آواه محل أدركه أين ، ومن كان له جنس طالبه كيف ، واللّه سبحانه لا يظله فوق ولا يقله تحت ، ولا يقابله حدّ ولا يزاحمه عند ، ولا يأخذه خلف ولا يحدّه أمام ، لم يظهره قبل ولم يفته بعد ، ولم يجمعه كل ولم يوجده كان ، ولم يفقده ليس ، وصفه لا صفة له ، وفعله لا علّة له ، وكونه لا أمر له ، منزه عن أحوال خلقه ، ليس له من خلقه مزاج ولا في فعله علاج ، باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم ، إن قلت متى ؛ فقد سبق الوقت كونه ، وإن قلت هو ؛ فالهاء والواو خلقه ، وإن قلت أين ؛ فقد تقدّم المكان وجوده ، فالحدود آياته ، ووجوده إثباته ومعرفته توحيده ، وتوحيده تمييزه من خلقه ، ما تصور في الأوهام فهو بخلافه ، كيف يحل به ما منه بدأ أو يعود إليه ما هو أنشأه ، لا تماقله العيون ولا تقابله الظنون ، قربه كرامته وبعده إهانته ، علوّه في غير ترق ومجيئه من غير تنقل ، هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ