يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

210

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

بالبحر فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه ، ذلك بأني جواد ماجد أفعل ما أريد ، عطائي كلام وعذابي كلام ، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون . فذكر النقص في هذه الأحاديث على معنى ضرب المثل في النهاية من القلة على ما تعرفه العرب وتستعمله ، تقول : ما غمضت البارحة ولا أستطيع القيام ولا أطيق الحركة ولا الكلام ، وفي كتاب اللّه تعالى : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ الأعراف : 34 ] ، ومعلوم أن الساعة تنقسم إلى أجزاء ودقائق ، وكما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [ النساء : 40 ] ، والذّرّة تنقسم إلى أجزاء وأشياء ، وقال في موضع آخر : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً [ يونس : 44 ] ، فهذا كله على النهاية في الدقة والقلة . وكما قال : وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [ النساء : 49 ] ، فخرّج النقص في الحديثين واللّه أعلم على هذا المعنى ، إذ علم اللّه تعالى قديم لا يقبل التبعيض والتقسيم ، وأيضا فإن العلم المبثوث في جميع الخلائق من أهل السماوات وأهل الأرضين هو من عند اللّه ، ومن الحيطة التي شاء سبحانه أن يخلقها لنا ، كما قال تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : 255 ] ، وكما قال تعالى : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ العلق : 5 ] ، وأمرنا بالسؤال فيه والزيادة منه بقوله تعالى : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ، فإذا لم ينقص من علم اللّه تعالى شيء وما عندنا منه خلق يخلقه لنا نعلم به علمنا ومعلومنا على قدر تفاضلنا في ذلك ، ونعلم أن للّه علما غير أن علم اللّه تعالى مخالف لعلم المخلوق لا يشبهه ولا يقاربه ولا يحمل عليه ولا هو منه في شيء إلا في مشاركة الاسم ، لأن علم المخلوقين يكون بالتعلم والتبصر والتدبر والتذكر ، وأخذ البعض عن البعض ، ولذلك وقع الاختلاف وتفرقت المذاهب وتفرقت المذاهب وتشعبت الطرق ، ألم تسمع قوله تعالى في القرآن الذي أنزل بعلمه : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] ، فسبحان من سبق علمه جميع المعلومات قبل كونها ، وتقدّم جميع الموجودات قبل عينها ، إذ الأشياء كلها مستفادة من علم اللّه بسبقه إياها ، وعلم الإنسان مستفاد من الأشياء لأنها سابقة له بإذن اللّه . وأما علم الأنبياء عليهم السلام وإن كانوا بشرا مثلنا فهو تخصيص من ربهم إياهم بما شاء من علمه بوحي ينزله إليهم ، أو إلهام يقرره في نفوسهم ، وبعضهم في ذلك أعلى من بعض قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [ البقرة :