يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
206
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
البحر أو رملة واحدة من رمال الدنيا ، أليست تلاصق أختها من فوقها ومن تحتها ومن جميع جهاتها ؟ أليس الماء يتحرّك أحيانا ؟ وكذلك الرمل ، ثم يسكن أحيانا ، أليس اللّه تعالى يعلم مقدار أوقات مماسة ذلك الجزء صاحبه ومقدار مفارقته إياه ؟ ثم إذا فارقه أليس يماسّ غيره كذلك من جميع جهاته إن كان فوقه مثله ، وإلا فقد ماسّه الهواء وقابله من السماء جزء آخر ، ثم قد يجتمع مع صاحبه الأوّل كهيئته إذ كان معه قبل التفرّق ، أو لا يجتمع ويجتمع مع غيره ، وإن اجتمع متى يماسه مثل المماسة الأولى مع هيجان البحر واضطرابه ، وتكويم الرمال بالرياح أمثال الجبال يمينا وشمالا وجنوبا وشمالا ، ثم هكذا في جميع المخلوقات المتحرّك منها المعلوم حركته والساكن المعلوم سكونه ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [ الرعد : 8 ] ، وهذا كله محصي في كتاب مبين ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [ القمر : 53 ] ، أليس الحفظة والملائكة الموكلون بجميع المخلوقات الذي أيضا لا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [ المدثر : 31 ] لو احتاجوا إلى مداد يكتبون كل ما ذكرته لك وما لم أذكره مما لا يتصوّر فيه أن يذكر أي مداد كان يقوم بهم في تصريف نقطة بل جزء من الأجزاء التي لا يعلم مقدارها إلا الذي خلقها ، أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 14 ] . ثم نرجع إلى المداد الذي تكتب به الحفظة ما تقدّم ، فتفعل في نقطة ما فعلت في هذا ، ثم في مداد المداد إلى ما لا ينحصر ولا ينضبط ، وما يعلم حقائق الأشياء على ما هي عليه إلا من خلقها . ثم انظر نظرا آخر فيما قرئ من كتب اللّه جميعا منذ أنزلت على جميع الأنبياء ، وكرّرت مع ما أجرى اللّه تعالى على ألسنة خلقه من الملائكة والإنس والجنّ من الذكر على أنواعه من تقديس وتسبيح وغير ذلك من أوّل ما خلق اللّه الخلق إلى أن تقوم الساعة ، نعم وفي الجنة التي لا آخر لها ، وتكرير ذلك الكلام المحمود على الألسن مع الكلام المذموم الواقع من الجهال والكفرة الذي أحصاه اللّه ونسوه ، ومع نطق البهائم والحشرات مع النطق المقدّر في الكل من الحيوانات مع قوله سبحانه وتعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] على مذهب من جعل ذلك من العلماء حقيقة بلسان المقال مع تقديس الربّ نفسه قبل أن يخلق خلقه في الأزل الذي لا يفهم ولا يدرك بوهم ، وهذا كله الإيمان به واجب ، والتفكر فيه محمود ، وهو أولى ما أعمل فيه الخاطر وأجيل فيه الفكر الحاضر وهو يدرك بالعقل الذي جعله اللّه تعالى آية من آياته فيمن شاء من عباده ، ومن أوتيه ورزق العمل بمقتضاه وأطاع مولاه فما حرم شيئا سواه ، والخيرات له تبع . كما يروى