يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

207

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

أن جبريل عليه السلام أتى آدم عليه السلام فقال له : أتيتك بثلاث فاختر واحدة ، قال : وما هم ؟ قال : العقل والحياء والدين ، قال : اخترت العقل ، فخرج جبريل عليه السلام إلى الحياء والدين فقال : ارجعا فقد اختار العقل عليكما ، فقال : أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان ، وللّه در الذي يقول : وما بقيت من اللذات إلا * مجالسة الرجال ذوي العقول وقد كانوا إذا ذكروا قليلا * فقد صاروا أقلّ من القليل وأعقل العقلاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحقّ له ذلك ، لأنه يروى عن سعيد بن جبير رضي اللّه عنه قال : بلغني أن العقل قسم على ألف جزء فأعطي محمد صلى اللّه عليه وسلم تسعمائة وتسعة وتسعين جزءا وأعطيت منه جزءا واحدا . وكذلك الأنبياء عليهم السلام قبله إلا ما فضّل اللّه به محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما اختار اللّه الأنبياء لعقولهم ، وما أعطاهم من العلم والصبر ، وما زهدوا في الدنيا مع القيام والصبر عليه ، إلا بفضل عقولهم ، فمن زهد في الدنيا وصبر على الحق فقد استكمل العقل ، وإنما فاز العابدون بالاجتهاد . وقال سعد بن أبي عروة عن قتادة عن الحسن قال : كيف يسمى عاقلا وهو يمسي ويصبح في الدنيا ومباهاة أهلها في المطاعم والمشارب والملابس والمراكب ؟ أولئك هم الخاسرون وأولئك هم الغافلون وأولئك هم الجاهلون . ويروى أن اللّه تبارك وتعالى لما خلق العقل قال له : أقبل ، فأقبل وقال له : أدبر ، فأدبر ، ثم قال له : اسكن ، فسكن ، فقال : وعزتي وجلالي لأركبنك في أحب الخلق إليّ . وقال في الحمق ضدّ ذلك ، إلى أن قال : في أبغض الخلق إليّ . اختصرته ، ومما أرويه في العقل لبعض أشياخي رحمهم اللّه : العقل نور اللّه يهدي به * من شاء أن يكتب من حزبه ومن يمت شوقا إلى ربه * يكشف له مولاه عن حجبه وزدت أنا على هذا : فيرتقي منه إلى رتبة * تفضي إلى ما شاء من قربه ما أقرب الأمر على مفلح * ساعده التوفيق من ربه في أبيات كثيرة ، انظرها في التكميل . وقد تكلم الناس في ماهية العقل وفي أسمائه وفي محله ، فمن أسمائه : العقل واللب والحجا والحجر والنهى ، فقالوا : سمي عقلا لأنه يعقل صاحبه عن ركوب شهواته ، ومنه أخذ : عقل الناقة .