يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
192
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
يصفه بأنه يخاف العواقب فيهب قبل حدوث النوائب مثل الفعل المضارع ، يعني أنه ينوي أن يعطي أو يهب هبة من ورق أو ذهب فيمضي ما نواه ، وهذا فعل الحرّ الحازم قبل دخول الحرف الجازم ، فيقال : لم يعط ولم يهب ، فزال عنه اسم الجود وذهب ، ولا ينكر على هذا النوع من الاعتبار ، فقد فعله من فوقي من العلماء الكبار . حدّثني بعض أشياخي عن بعض أشياخه قال : كنا ندخل على فلان العالم ونحن طلبته فيقول : من أين أقبلتم ؟ فنقول : من موضع كذا ، فقال لنا مرة : واجتزتم بالسوق ؟ فقلنا : نعم ، فقال : وما رأيتم بها ؟ فقلنا : كذا وكذا ، ورأينا فيها حوتا قد قلي ما رأينا أحسن منه ، فقال : وما قال لكم ؟ فقلنا له : سبحان اللّه وهل يتكلم الحوت ميتا مقلوا ؟ فقال : إنا للّه وإنا إليه راجعون ، تزعمون أنكم طلبة حذاق والأشياء تكلمكم ولا تفهمون عنها ، فقلنا : فأخبرنا أنت يرحمك اللّه فإنا لا نعقل هذا ، فقال : نعم ، قال لكم ذلك الحوت : يا أيها الناس انظروا إليّ واعتبروا ففيّ معتبر ، بينا أنا في الماء أسبح وأمرح إذ رأيت طعمة ملقاة فابتلعتها ولم أفتش ما فيها ، فكان في جوفها سنارة الصائد ، فأخرقت جنبي كما ترون ، هذا ما قاله لكم وإن لم يكلمكم حوارا كلمكم اعتبارا ، كم من لقمة تأكلون أنتم كل يوم ولا تفتشون ما في جوفها . هذا معنى كلامه رحمهم اللّه أجمعين . ومثل هذه الحكاية خرّج أبو طالب المكي رحمه اللّه في كتاب قوت القلوب عن بعض أهل الاعتبار أنه كان يمشي في الوحل فكان يتقي ويشمر ثيابه عن ساقيه ويمشي في جوانب الطريق إلى أن زلقت رجله في الوحل ، فأدخل رجليه في وسط الوحل وجعل يمشي في المحجة ، قال وبكى ، فقيل له : ما يبكيك ؟ فقال : هذا مثل العبد لا يزال يتوقى الذنوب ويتجانبها حتى يقع في ذنب منها أو ذنبين ، فعندها يخوض في الذنوب خوضا . وكان بعضهم يعتبر بما يعتريه ويقول : إني لأعرف ذنبي في خلق حماري وفي تسليط فأرتي عليّ ، وصدق يقول اللّه تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [ الشورى : 30 ] ، فإن قلت هذا الذي ذكرته كل أحد يدريه ، فأقول : وأنا أيضا لم اخترعه وإنما أخذته من كتب العلماء ، وهم ذكروه ، وتركت أشياء ذكروها لم أذكرها . فصل : [ قد أخرجت لك أيها الولد مما فتح اللّه تعالى عليّ من لفظة فل . . . ] قد أخرجت لك أيها الولد مما فتح اللّه تعالى عليّ من لفظة فل قل علما أدبيا دنيويا ، وها أنا أخرج لك من لفظة التبنة المتقدّمة الذكر بعون اللّه تعالى علما آخر زهديا أخرويا فأقول على بركة اللّه عز وجل : يستدلّ بتلك التبنة على أنها مخلوقة ، وما خلق اللّه شيئا عبثا بل ما خلقه إلا ليدل به على نفسه :