يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
193
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
ففي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد أول ذلك ما ذكره بعض العلماء أنها تدل على أنها مقتطعة من نبات أكمل من الجماد كالحجر الذي لا ينمي ولا يغتذي ، وإن هذا النبات خلقت فيه قوّة يجتذب بها الغذاء إلى نفسه من جهة أصله وعروقه التي في الأرض ، وهي العروق التي تتصل بالعروق الظاهرة فيالورقة ، وهي تتشعب إلى غلاظ ودقاق تكاد تخفى عن البصر لدقتها ، وإنها لا تجيء إلا بأشياء تختص بها من تراب وماء وهواء ، إذ لو تركت الحبة في البيت مثلا لم تزد ولم تنم لأنه لا يحيط بها إلا الهواء فقط وهو لا يصلح لغذائها وحده حتى ينضاف إليه التراب أو ما يتولد من الأرض ، ولا بدّ من الأصل الأكبر وهو الماء لقوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ [ الأنبياء : 30 ] ، ولو كان الماء أيضا وحده لم تتغذّ به حتى يخالطها التراب فيصير طينا ثم يداخله الهواء ، إذ لو تركت الحبة في أرض ندية صلبة متراكبة لم تنبت حتى يصل إليها الهواء فيخلخل الأرض فتنشق ، كما قال تعالى : أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ( 25 ) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) [ عبس : 25 - 26 ] ، والنبات لا يتحرك بنفسه فلا بدّ من ريح تحرّكه وتضربه بقهر وعنف على وجه الأرض حتى ينفذ فيها ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [ الحجر : 22 ] ، وإنما لقاحها في إيقاع الازدواج بين الهواء والماء والأرض ، ثم كل ذلك لا يغني إذ الماء والأرض باردان ، فانظر كيف سخر اللّه الشمس وهي مع بعدها عن الأرض مسخنة للأرض في وقت دون وقت ليحصل البرد عند الحاجة إليه والحر عند الحاجة إليه . ثم إن النبات إذا ارتفع عن الأرض وأثمر كان في الفواكه انعقاد وصلابة فتحتاج إلى رطوبة تنضجها ، فانظر كيف خلق اللّه القمر وجعل فيه خاصية الترطيب ، كما جعل من خاصية الشمس التسخين ، فهو ينضج الفواكه ويصبغها بتقدير الفاطر الحكيم ، ولذلك لو كانت الأشجار في ظل يمنع شروق الشمس والقمر وسائر الكواكب عليها لكانت فاسدة ناقصة ، حتى إن الشجرة الصغيرة تفسد إذا أظلتها شجرة كبيرة ، وتعرف ترطيب القمر بأن تكشف رأسك له في الليل فتغلب على رأسك الرطوبة التي يعبر عنها بالزكام ، فكما يرطب رأسك يرطب الفواكه أيضا ، وليس هذا وحده بل كل كوكب في السماء مسخر لنوع فائدة ، كالشمس والقمر ، علمه من علمه وجهله من جهله ، تصديق ذلك في قوله تعالى : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا [ آل عمران : 191 ] ، وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ [ الدخان : 38 ] ، ولما قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ