يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

190

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

ذلك أبو الأسود وكره إجابة زياد إلى ما سأل ، فوجّه زياد رجلا فقال له : اقعد في طريق أبي الأسود فإذا مرّ بك فاقرأ شيئا من القرآن وتعمد اللحن فيه ، ففعل ذلك ، فلما مرّ به أبو الأسود رفع الرجل صوته فقال : إن اللّه بريء من المشركين ورسوله ، فاستعظم ذلك أبو الأسود وقال : عزّ وجه اللّه أن يتبرّأ من رسوله ، ثم رجع من فوره إلى زياد وقال : يا هذا قد أجبتك إلى ما سألت ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن ، فابعث إلى ثلاثين رجلا ، فأحضرهم زياد فاختار منهم عشرة ، ثم لم يزل يختار منهم حتى اختار منهم رجلا من عبد القيس فقال : خذ المصحف وصبغا يخالف لون المداد ، وذكر الحديث المتقدّم . قال : وروينا أنّ المبتدي بذلك كان نصر بن عاصم الليثي ، وأنه الذي خمسها وعشرها . وروينا أنّ ابن سيرين كان عنده مصحف نقطه يحيى بن يعمر ، وأن يحيى أوّل من نقطها ، وهؤلاء الثلاثة من جلة تابعي البصرة ، وأكثر العلماء على أنّ أبا الأسود الدؤلي كان المبتدي بذلك ، جعل الحركات والتنوين لا غير ، وإن الخليل بن أحمد الفراهيدي هو الذي بدأ التمدّد والتشديد والروم والإشمام ، وأنه عمل الشكل الذي على الحروف ، وأخذه من صورة الحرف ، فالضمة واو صغيرة الصورة في أعلى الحرف لئلا تلتبس الواو المكتوبة والكسرة ياء تحت الحرف ، والفتحة ألف مسطوحة فوق الحرف ، وجعل الحرف المشدّد شبه شين أخذه من أوّل شديد ، فإذا كان خفيفا جعل شبه خاء أخذه من خفيف . فصل : [ تقدّم ذكر الحرف المعتل ، قلت : وفيه معتبر لمن اعتبر وتبصرة لمن استبصر ، . . . ] تقدّم ذكر الحرف المعتل ، قلت : وفيه معتبر لمن اعتبر وتبصرة لمن استبصر ، فضل اللّه بعض الكلمات على بعض كما فعل بجميع خلقه حتى بين الأنبياء عليهم السلام ، فقال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [ البقرة : 253 ] ، وقال في الناس : وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [ الزخرف : 32 ] ، وكذا هم في الآخرة ، فمن الناس مبتلى ومعافى ، وكذلك الأفعال ، انظر ضرب ووفى ، إذا صرّفت ضرب لم تنقص منه شيئا بل تزيده حرفا آخر في أوّله ، فتقول : يضرب ، فإذا أمرت منه حذفت الياء وعوّضت منها ألفا وقلت : اضرب . وإذا صرّفت وفي نقصت الواو وقلت : يفي ، فإذا أمرت منه قلت : فه ، ذهبت عنه الزوائد وحروف العلة وبقي في نهاية من القلة ، وكذلك إن جزمته حذفته فقلت : زيد لم يف ، وهذا مثال به اكتف ، فمع الامتحان لا يبقى إلا الصحيح الصافي ولا يقبل إلا الخالص الوافي ، كذلك العبد في الدنيا يظنّ أنه يأتي بشيء وذلك الشيء كالفيء ،