يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
18
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
الضبط ، عرية عن النقط ، وفعلت ذلك لتفتح لها ذهنك ، كما فتحت جفنك ، وتشحذ قريحتك فتريح ذبيحتك ، وتنظر ما أنتجت معرفتك ، فإن كسوت الأبيات جلبابها ومنحت أسبابها وفتحت أبوابها فاشكلها ببيانك قبل بنانك ، وبفصاحتك قبل راحتك ، وأنت حينئذ الولد وزين البلد ، ولمثلك يقال أجدت ، طلبت فوجدت ، بارك اللّه فيك وفيما تخرجه من فيك ، وإن كانت الأخرى ولم تقو عليها البتة ، وعجزت عنها قريحتك الميتة ، فانظرها في آخر الكتاب مخطوطة ، مشكولة منقوطة ، مفسرة ميسرة ، مكسوّة معطرة ، وكفّ عن لومي وأمسك وبؤ بالعجز على نفسك ، وسل مرشدا وقل منشدا : شعر رحم اللّه الحريري لو كا * ن رأى قائل هذا سرّه ودرى أن قد أتى بعده من * غاص في البحر فوافى درّه وبعد : فهي كما تراها نوع من المعمّى ، والاسم الذي لا يسمّى ، وضرب من اللغز وجنس من الرمز ، إذ يشكل حتى يشكّل ، وإذا شكّل وقرئ لم يفهم ، إذ هو مبهم ، حتى يفتح مقفله ويشرح مغفله ، فإذا فسّر يسر وإذا شرح فتح ، فتلج إن شاء اللّه الباب ويرفع لك الحجاب ، فتدخل المجالس والقباب فتعتنق الكواعب الأتراب ، وتعتبق الألوة والكباب وتغتبق اللذيذ من الشراب بالكؤوس والأكواب ، وتسمع تلك النغمات من الغانيات ، وتلحظ ذلك النبات والزهر الذي هو أشتات ، وتنظر الثمر الذي في الغراسات النابتات في أشجار الجنات الثابتات على الأنهار الجاريات ، إلى غير ذلك من الأنواع المستحسنات والملاذ الطيبات . فضيلة العلم : لعلك تقول : هذا الذي ذكرته من المعاني الفاخرة هي صفة جنات الآخرة فأقول : إن في الدنيا ما هو أشهى وأحلى مما ذكرت وأغلى ، هو العلم الذي لا شيء أنفع ولا أرفع منه ولا لأحد غنى عنه ، ومن طعم حلاواته وتنعّم بآياته ، وسحب ضافي أثوابه وشرب صافي أكوابه ، لم يشتغل بسواه ولم يعدل عن سواه ، ورآه أنفع شيء ناله في اكتسابه وأرفع ثوب اكتسى به . ألم تسمع ما قاله الشاعر المصيب الذي نال من العلم أوفر نصيب : لئن رفع الغنيّ لواء مال * لأنت لواء علمك قد رفعتا وإن جلس الغنيّ على الحشايا * لأنت على الكواكب قد جلستا ومهما افتضّ أبكار الغواني * فكم بكر من الحكم افتضضتا ثم قال يجهل من فضّل المال على العلم :