يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
177
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
أخفت الموسى الحديدة حين جعلت هارون لها ترسا ، وكيف أخفت النورة فيه كي تنسى فلا يهتدى لها حتى تقرأ عكسا . وقد أعجبت أخرى بأغرب من هذا كانت تهوى غلاما اسمه رشا فصحفته زينبا ، وقالت : أضحى الفؤاد بزينبا * صبا كئيبا معربا فجعلت زينب سترة * وكتمت أمرا معجبا وأقول : الأولى عندي أعجب وتقديمها أوجب ، ومثل هذا التصحيف ما قاله عباد بن ماء السماء لما تفاءل وقد أهدي إليه سفرجل : أهدي إليه سفرجل فتطيّرا * منه وظل مفكرا مستشعرا خوف الفراق لأن شطر هجائه * سفر وحق له بأن يتطيّرا أخذه هذا المعنى الحصري فقال : متحفي بالسفرجل * لا أحب السفرجلا مبتداه سفرجل * سفرجلّ واعتلى ونمي هذا إلى أبي محمد البستريني فقال في ضده : ما في السفر شيء يستراب به * فلا تبت منه مطويا على وجل واقبل هديته من راحتي مرة * راحت عليك به أو راحتي رجل إني نظرت إلى تصحيف أحرفه * فانفك منهنّ لي بث يفرج لي لا تقل سفرجلّ البلاء به * أو حل منه وقوع الحادث الجلل ومن هذا النوع من التصحيف أيضا ما يحكى عن أمير حسيب شريف كان يمشي مع وزير له أديب ظريف ، فمرّا في طريقهما بنسوة يتساببن ، فقال أحدهما لصاحبه : الجباسين ، وقال له الآخر : الجيارين ، ففهم كل واحد منهما ما أراد صاحبه . أما الجباسين فتصحيفه الخناشين ، وأما الجيارين فتصحيفه الحيازين . ومن التصحيف الظريف ما يذكر أن رجلا رأى في منامه كأنّ قرمدة من السقف سقطت عليه ، فأتي لمعبر في زمانه فسأله عن منامه ، فقال له المعبر : نويت سفرا عن قريب ؟ قال : نعم ، قال له : لا تسافر في هذا الوقت ، فإن تصحيف قرمدة : قرّ مدّة ، فأقام الرجل وتبين له بعد ذلك أن الخير كان في مقامه . ومثله من التصحيف أن مدينة آبدة أخذها ثائر في زمان الفتنة ، فبعث الأمير يستخبر أمرها فوجدها قد أخذت ، فجاء إلى الأمير وهو في الناس فكره أن يفشي ذلك الأمر فورّى بأن قال : أحدب آبدة ، ففهم الأمير ما قال ، والآبدة : من أسماء الدواهي ، وهذا النوع من الأدب يجذب ولا يجذب .