يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
176
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
لا يغرنك إن أتيت بمقلو * ب من الشعر ظل وهو كثير فالذي سقت منه فهو طميث * والذي ساقه الحريري حرير وكنت لما قلت ذلك الشعر أريته شيخنا الفقيه الخطيب أبا محمد عبد الوهاب بن علي وسألته : هل قال من هذا النوع شيئا أو رآه لغيره ، فكتب إليّ بعد كلام : ونظرت إلى صنف من المقلوب أخذ بمجامع القلوب ، ولم أر مثل هذا النوع نوعا يأبى أن ينقاد لا كرها ولا طوعا ، كم أعيا شعراء حذاقا راموه فما وجدوا له مذاقا ، وإذا وقع منهم الفذ الفريد على البعض مما يريد صدر عن قريحة معذبة وألفاظ لا فصيحة ولا مستعذبة ، ولقد رمت ذلك مدّة الشباب ولزمت أسكفة الباب ، وأكثرت القرع وشمرت للولوج الدرع ، ثم لا أذن تسمع الأذن فتلذ ذلك المقول ولا رجل تفارق الحجل فتأخذ في الدخول ، فعندها ثنيت عناني ومضيت لشاني ، وأنت أيها الصفوة المنحول قد تهيأ لك الدخول ، وتمكنت من تلك الدار وسكنتها بمساعدة الأقدار ، فامدد بها رجليك فلا حرج عليك ، في كلام كثير اختصرته . قلت : وأنت أيها الناظر في أحرفي لا تلتفت إلى المدح ولا إلى القدح ، وانظر إلى بيت واحد من تلك القطعة أثبته لك في هذه الرقعة ، فإن استقللت خيره فقل غيره ، وإلا فغمّ الديك وقل بنفسي أفديك ، وهو : أسأل من منّ ألا * لأن من ملّ أسا هذا أحد الأبيات العشرة حروفه بين يديك منتشرة ، فاعكسه وقسه ، فإن استحسنته فاجبذه وإن استخشنته فانبذه ، ألا : واحد الآلاء وهي النعم . ولي في هذا النوع من المقلوب نحو العشرين بيتا قد جمعتها في غير هذا الموضع ، انظرها في التكميل مع ما يشبهها من هذا القبيل ، وسيأتي من ذلك طرف عندي من اللباب في باب ناب وتاب يستظرفه أهل الآداب ، وربما يكتبون الكلمة فيلغزون بمقلوبها على من لا يفهم غير مكتوبها ، فإذا عكسها المكتوب إليه بها كان لسرّها منتبها . كما يحكى أن امرأة أديبة ظريفة لبيبة رحلها زوجها إلى أرض غربة لم يكن لها بها مفرج كربة ، فاحتاجت إلى ما يحتاج إليه النساء من الاستحداد واستحيت أن تطلع على ذلك أحدا من الأنداد ، فكتبت بيتي شعر إلى أبيها أظن أو أمها تلغز فيهما بمهمها ، وكانت تلك البنت بحصن يعرف بالنبت ، فقالت : النبت شرّ مكان * لا أعدمن فيه بوسا فقدت هارون فيه * فابعث إليّ بموسى ومعكوس هارون على هذا الشكل نوره . فانظر إلى هذه الحرة الرشيدة كيف