يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

169

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وقال غيره من العارفين : لا تسأل من الناس شيئا أبدا فإن كان ولا بدّ من سؤالهم فاسألهم مما ليس في خزائن مولاك جل وعلا . قلت : انظر هذا العارف ما كان أعرفه وأرفعه في الأمر وألطفه ، نهاه أولا ثم أطمعه فتأنسه وضمن فيما أباح له ما عنه أيأسه ، فالواجب على الإنسان والفرض أن يوقن أن للّه خزائن السماوات والأرض ، وجميع المؤمنين ، والحمد للّه ، لهذا يتنبهون وإليه ينتهون ولكنّ المنافقين لا يفقهون ، والمسألة على كل حال ذلّ إلا إلى اللّه سبحانه الذي يملك الكلّ ، وبهذا تشهد العقول ، وما أحسن الذي يقول : ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله * عوضا ولو نال الغنى بسؤال وإذا السؤال مع النوال قرنته * رجح السؤال وخف كلّ نوال ومن أجل كراهية السؤال أمر بحفظ المال . قال بعض الحكماء : حفظك لما في يديك أولى بك من طلب ما في يدي غيرك . قلت : ثم مع هذا إذا سألت المخلوق وألححت عليه أبغضك ، وإذا سألت إلهك وألححت عليه أحبك ، ألم تسمع قوله عليه الصلاة والسلام : إن اللّه يحب الملحّين في الدعاء . وقال الشاعر : اللّه يغضب إن تركت سؤاله * وبني آدم حين يسأل يغضب ولي في هذا المعنى مقطعات انظرها في التكميل ، منها آخر بيت : ولا تسأل الناس ما عندهم * وسل من على كل شيء قدير وقال الشاعر : إن الوقوف على الأبواب حرمان * والعجز أن يسأل الإنسان إنسان حتّام تأمل مخلوقا وتقصده * إن كان عندك بالخلّاق إيمان إعطاؤه لك إن أعطاكه ضعة * فكيف إن كان بعد المطل حرمان ثق بالذي هو يعطي ذا ويمنع ذا * في كل يوم له في خلقه شان قال الأصمعي : مررت بكناس وهو يحمل على ظهره جرّة من عذرة وهو يقول : وأكرم نفسي إنني إن أهنتها * وحقك لم تكرم على أحد بعدي قال : فقلت له : وعن أي شيء أكرمتها وأنت تحمل العذرة على ظهرك ؟ فقال : أكرمتها عن الوقوف على باب مثلك . قال الأصمعي : ما لقيت مثلها . وكان مطرف بن عبد اللّه بن الشخير يقول : إذا كانت لأحدكم حاجة فلا يواجهني بها فإني أكره أن أرى فيكم ذلّ المسألة ، ولكن ليرفعها إليّ في رقعة ، فإن الشاعر قد صدق في قوله :