يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
162
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
وإنا لأشدّ ما نكون لقاء حين نغضب ، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على الفقاح والنصر من عند اللّه يديلنا مرة ويديل علينا ، لعلك أخو قريش ، فقال أبو بكر : أوقد بلغكم أنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فهاهو ذا ، فقال مفروق : وقد بلغنا أنه يذكر ذلك ، فإلام تدعونا يا أخا قريش ؟ فتقدّم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأني رسول اللّه ، وإلى أن تؤووني وتنصروني ، فإن قريشا قد ظاهرت على أمر اللّه عز وجل وكذبت رسله ، واستغنت بالباطل عن الحق ، واللّه هو الغني الحميد ، فقال مفروق : وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فتلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ الأنعام : 151 ] ، فقال مفروق : وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فتلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ النحل : 90 ] فقال مفروق : دعوت واللّه يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك ، وكأنه أحبّ أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة ، فقال : وهذا هانئ ابن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا ، فقال هانئ : قد سمعت مقالتك يا أخا قريش ، وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا ليس له أوّل ولا آخر ، وإنا نزلنا بين صيرين : اليمامة والسمامة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما هذان الصيران ؟ فقال : أنهار كسرى ومياه العرب ، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول ، وأما ما كان من مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول ، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا ، وإني أرى أنّ هذا الأمر الذي تدعو إليه أنت مما تكرهه الملوك ، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما أسأتم في الردّ إذ أفصحتم بالصدق ، وإنّ دين اللّه لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه ، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم اللّه أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون اللّه وتقدّسونه ؟ فقال النعمان بن بشير : اللهم لك ذلك ، ثم تلا النبي صلى اللّه عليه وسلم : إِنَّا أَرْسَلْناكَ