يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

163

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 45 ) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [ الأحزاب : 45 - 46 ] ، ثم نهض النبي صلى اللّه عليه وسلم وأخذ بيدي ، فقال : يا أبا بكر يا أبا حسن ، أية أحلام في الجاهلية ما أشرفها ، بها يدفع اللّه بعضهم عن بعض ، وبها يتحاجزون فيما بينهم ، قال : ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج ، فما نهضنا حتى بايعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكانوا صدقا صبرا . الهام : أعلى الرأس ، وهو أعلى من اللهازم . واللهازم : جمع لهزمة ، وهو مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن من اللحيين . والماضغ : ما يمضغ عليه من الأضراس . والزمعات : جمع زمعة كما تقدّم ، وهي هناة تشبه أظفار الغنم في الرسغ ، في كل قائمة زمعتان يكون ذلك لكل ذي ظلف . هذا الحديث يجدّد الإيمان على مرور الأزمان ، نفع اللّه به الراوي والسامع والقارئ والجامع . وتقدّم أيضا ذكر عزم من قوله تعالى : فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ [ محمد : 21 ] معناه : عزم عليه وهو هنا الجهاد في سبيل اللّه ، مثل قوله تعالى : إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا [ الإسراء : 34 ] أي : عنه . وفي القرآن من هذا : وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [ طه : 115 ] قال ابن عزيز : رأيا معزوما عليه ، وقال غيره : صبرا . وفي القرآن : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ آل عمران : 159 ] أي : إذا صححت رأيك في إمضاء الأمر . وفيه : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 35 ] قال الكلبي : يعني ممن أمر بالقتال منهم . حكاية ظريفة وأذكر لك هنا حكاية ظريفة غريبة شريفة : يروى أنّ الرشيد كان له ولد اسمه عباس ، وكان شديد السمرة ، فكره لذلك مكانه وقصر عن إلحاقه بسائر بنيه ، ثم اتفق أن تنبأ في عهده رجل سخيف ، فبلغ أمره إلى الرشيد فأحضره وجعل يعظه ويفنّده ، وجميع أبناء الرشيد مصطفون بين يديه بينهم عباس لم يجاوز العشر ، فأبي ذلك الشقي إلا التمادي في غيه ، فأمر الرشيد بضربه ، فلما باشر السوط جسده جعل يضطرب ويرعد ويقوم ويقعد ، فقال عباس : إن كنت كما زعمت فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 35 ] ، فاستطار لها الرشيد استبشارا واستنبالا ، وقال : ابني واللّه ، ثم