يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

159

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

سلفه ، نحن أيها الملك حرم اللّه وسدنة بيته ، أشخصنا إليك الذي أبهجنا لكشف الكرب الذي فدحنا ، فنحن وفد التهنئة لا وفد الترزئة . قال : ومن أنت أيها المتكلم ؟ قال : أنا عبد المطلب ابن هاشم ، قال : ابن أختنا ؟ قال : نعم . فأدناه وقربه ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال : مرحبا وأهلا وناقة ورحلا ، ومستناخا سهلا وملكا ربحلا يعطي عطاء جزلا . فذهبت مثلا ، وكان أوّل من تكلم بها ، قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم ، فأهل الليل والنهار أنتم ولكم الكرامة ما أقمتم ، والحباء إذا ظعنتم ، قال : ثم استنهضوا إلى دار الضيافة والوفود ، وأجرى عليهم الإنزال فأقاموا به شهرا لا يصلون إليه ولا يأذن لهم بالانصراف ، ثم انتبه لهم انتباهة فدعا بعبد المطلب من بين أصحابه ، فأخلاه وأدنى مجلسه وقال له : يا عبد المطلب إني مفوّض إليك من علمي أمرا ، لو كان غيرك لم أبح له به ، ولكني رأيتك معدنه فأطلعتك عليه ، فليكن عندك مصونا حتى يأذن اللّه فيه ، فإن اللّه بالغ أمره ، إني أجد في العلم والكتاب المكنون الذي ادّخرناه لأنفسنا واحتجبناه دون غيرنا خيرا عظيما وخطرا جسيما ، فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس كافة ولرهطك عامة ولنفسك خاصة . قال عبد المطلب : مثلك أيها الملك من بر وسر وبشر ما هو فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر . قال ابن ذي يزن : إذا ولد مولود بتهامة بين كتفيه شامة كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة ، قال عبد المطلب : أبيت اللعن لقد أبت بخير ما آب به أحد ، فلو لا إجلال اللّه الملك وإعظامه لسألته من سره ما أزداد به سرورا . قال ابن ذي يزن : هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد ، يموت أبوه وأمه ويكفله جدّه وعمه ، قد ولدناه مرارا واللّه باعثه جهارا وجاعل له منا أنصارا ، يعزّ بهم أولياءه ويذلّ بهم أعداءه ، يفتح بهم كرائم الأرض ويضرب بهم الناس عن عرض ، يخمد الأديان ويكسر الأوثان ويعبد الرحمن ، قوله حكم وفصل وأمره حزم وعدل ، يأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله ، فقال عبد المطلب : طال عمرك ودام ملكك وعلا جدّك وعزّ فخرك ، فهل الملك مسارّي بأن يوضح فيه بعض الإيضاح ؟ قال ابن ذي يزن : والبيت ذي الطنب والعلامات والنصب ، إنك يا عبد المطلب لجدّه غير كذب ، فخرّ عبد المطلب ساجدا . قال ابن ذي يزن : ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا فخرك ، فهل أحسست شيئا مما ذكرته لك ؟ قال عبد المطلب : كان لي ابن كنت له محبا وعليه حدبا مشفقا فزوّجته كريمة من كرائم قومه يقال لها آمنة بنت وهب بن عبد مناف ، فجاءت بغلام بين كتفيه شامة ، فيه كل ما ذكرت من علامة ، مات أبوه وأمه فكفلته أنا وعمه . قال له ابن ذي يزن : الذي قلت لك كما قلت ، فاحفظ ابنك واحذر عليه اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل اللّه لهم عليه سبيلا ، واطو ما