أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
377
الكامل في اللغة والأدب
قال أبو العباس ، ووقف جبّار بن سلمى على قبر عامر بن الطفيل . ولم يكن حضره . فقال : أنعم صباحا أبا عليّ ، فو اللّه لقد كنت سريعا إلى المولى بوعدك ، بطيئا عنه بإيعادك ، ولقد كنت أهدى من النجم ، وأجرى من السيل . ثم التفت إليهم ، فقال : كان ينبغي أن تجعلوا قبر أبي عليّ ميلا في ميل . وذكر الحرمازيّ أن الأحنف بن قيس لما مات ، وكان موته بالكوفة ، مشى المصعب بن الزبير في جنازته بغير رداء ، وقال اليوم مات سيد العرب . فلما دفن قامت امرأة على قبره أحسبها من بني منقر ، قالت : للّه درّك من مجنّ « 1 » في جنن « 2 » ، ومدرج في كفن ، فنسأل الذي فجعنا بموتك ، وابتلانا بفقدك أن يجعل سبيل الخير سبيلك ، ودليل الخير دليلك ، وأن يوسّع لك في قبرك ، ويغفر لك يوم حشرك فو اللّه لقد كنت في المحافل شريفا ، وعلى الأرامل عطوفا ، ولقد كنت في الحيّ مسوّدا ، وإلى الخليفة موفّدا . ولقد كانوا لقولك مستمعين ، ولرأيك متّبعين . قال : فقال الناس مع ما سمعنا كلام امرأة أبلغ ولا أصدق معنى منها . ووقف رجل على قبر النجاشيّ « 3 » فترحّم وقال : لولا أن القول لا يحيط بما فيك ، والوصف يقصر دونك لأطنبت بل لأسهبت ثم عقر ناقته على قبره ، وقال : عقرت على قبر النجاشيّ ناقتي * بأبيض عضب أخلصته صياقله على قبر من لو أنني متّ قبله * لهانت عليه عند قبري رواحله وروى ابن دأب أن حسان بن ثابت الأنصاريّ ، اجتاز بقبره ربيعة بن مكدّم ، فأنشد : لا يبعدنّ ربيعة بن مكدّم * وسقى الغوادي قبره بذنوب نفرت قلوصي من حجارة حرّة * نصبت على طلق اليدين وهوب لا تنفري يا ناق منه فإنه * شرّيب خمر مسعر لحروب
--> ( 1 ) المجن : اسم مفعول من قولك أجنه إذا غطاه وستره . ( 2 ) الجنن : القبر . ( 3 ) النجاشي : بتشديد الياء وتخفيفها أفصح وتكسر النون وهو أفصح ملك الحبشة .