أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
307
الكامل في اللغة والأدب
يا حفص إني عداني عنكم السفر * ( وقد سهرت فأردى نومي السهر ) فقال له الحجاج : أشاعر أم خطيب ؟ قال : كلاهما . ثم أنشده القصيدة ، ثم أقبل عليه فقال له : أخبرني عن بني المهلّب قال : المغيرة فارسهم وسيدهم ، وكفى يزيد فارسا شجاعا وجوادهم ، وسخيّهم قبيصة ولا يستحي الشجاع أن يفر من مدرك ، وعبد الملك سمّ ناقع ، وحبيب موت زعاف ، ومحمد ليث غاب ، ونفاك بالمفضل نجدة ، قال : فكيف كان بنو المهلّب فيكم ؟ قال : كانوا حماة السرح نهارا ، فإذا أليلوا ففرسان البيات ، قال : فأيّهم كان أنجد ؟ قال : كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفها ، قال : فكيف كنتم أنتم وعدوّكم ؟ قال : كنا إذا أخذنا عفونا ، وإذا أخذوا يئسنا منهم ، وإذا اجتهدوا واجتهدنا طمعنا فيهم ، فقال الحجاج : إن العاقبة للمتقين كيف أفلتكم قطريّ ؟ قال : كدناه ببعض ما كادنا به فصرنا منه إلى الذي نحب ، قال : فهلا اتبعتموه ؟ قال كان الحدّ عندنا اثر من الفلّ ، قال : فكيف كان لكم المهلّب وكنتم له ؟ قال : كان لنا منه شفقة الوالد وله منا برّ الولد ، قال : فكيف اغتباط الناس ؟ قال : فشا فيهم الأمن وشملهم النفل ، قال : أكنت أعددت لي هذا الجواب ؟ قال : لا يعلم الغيب إلا اللّه ، قال : فقال هكذا تكون ، واللّه الرجال ، المهلب كان أعلم بك حيث وجّهك . وكان كتاب المهلّب إلى الحجاج : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، الحمد للّه الكافي بالإسلام فقدما سواه الذي حكم بأن لا ينقطع المزيد منه حتى ينقطع الشكر من عباده أما بعد ، فقد كان من أمرنا ما قد بلغك وكنا نحن وعدوّنا على حالين مختلفين ، يسرّنا منهم أكثر مما يسوؤنا ، ويسوؤهم منا أكثر مما يسرهم على اشتداد شوكتهم ، فقد كان علن أمرهم حتى ارتاعت له الفتاة ونوّم به الرضيع فانتهزت منهم الفرصة في وقت إمكانها ، وأدنيت السواد حتى تعارفت الوجوه ، فلم نزل كذلك حتى بلغ الكتاب أجله فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد للّه رب العالمين .