أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
304
الكامل في اللغة والأدب
ثم جال الناس جولة عند حملة حملها عليهم الخوارج ، فالتفت عند ذلك المهلّب إلى المغيرة ، فقال : ما فعل الأمين الذي كان معك ؟ قال : قتل . وكان الثقفيّ قد هرب ، وقال ليزيد : ما فعل عبيد بن أبي ربيعة ؟ قال : لم أره منذ كانت الجولة ، فقال الأمين الآخر للمغيرة : أنت قتلت صاحبي . فلما كان العشيّ رجع الثقفي ، فقال رجل من بني عامر بن صعصعة : ما زلت يا ثقفيّ تخطب بيننا * وتغمّنا بوصية الحجّاج حتى إذا ما الموت أقبل زاخرا « 1 » * وسما لنا صرفا بغير مزاج ولّيت يا ثقفيّ غير مناظر * تنساب بين أحزّة وفجاج ليست مقارعة الكماة لدى الوغى * شرب المدامة في إناء زجاج قوله بين أحزّة هو جمع حزير ، وهو متن ينقاد من الأرض ويغلط ، والفجاج الطرق ، واحدها فجّ . وقال المهلّب ليمين الآخر : ينبغي أن تتوجه مع ابني حبيب في ألف رجل حتى يبيّتوا عسكرهم . فقال : ما تريد أيها الأمير ألا أن تقتلني كما قتلت صاحبي . قال : ذاك إليك . وضحك المهلّب . ولم تكن للقوم خنادق فكان كلّ حذارا من صاحبه ، غير أن الطعام والعدّة مع المهلّب ، وهم في زهاء ثلاثين ألفا . فلما أصبح أشرف على واد ، فإذا ، هو برجل معه رمح مكسور ، وقد خضبه بالدماء ، وهو ينشد : جزاني دوائي ذو الخمار وصنعتي * إذا بات أطواء بنيّ الأصاغر أخادعهم عنه ليغبق دونهم * وأعلم غير الظنّ أني مغاور « 2 » كأني وأبدان « 3 » السلام عشية * يمرّ بنا في بطن فيحان « 4 » طائر فدعاه المهلّب ، فقال : أتميميّ أنت ؟ قال : نعم ! قال : أحنظليّ ؟ قال :
--> ( 1 ) زاخرا : مادا مرتفعا مستعار من قولهم زخر البحر كمنع طما وعلا . ( 2 ) مغاور مفاعلة في قولهم غاور فلان أعداء إذا كان يغير عليهم ويغيرون عليه . ( 3 ) أبدان : جمع بدن بالتحريك وهو الدرع القصيرة . ( 4 ) فيحان : موضع بديار بني سعد .