أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

271

الكامل في اللغة والأدب

وقد ذكرنا في قصر الممدود من أن مدّ المقصور لا يجوز ما يغني عن إعادته . وتذكر فيروز حصين لما مر من ذكره ، وكان فيروز حصين رجلا جيد البيت في العجم ، كريم المحتد « 1 » مشهور الآباء . فلما أسلم والي حصينا ، وهو حصين بن عبد اللّه العنبريّ من بني العنبر بن تميم بن مرّ . ثم من ولد طريف بن تميم ، وكان فيروز حصين شجاعا جوادا نبيل الصّورة « 2 » ، جهير الصوت . بعض ما حدث مع فيروز وتروي الرواة أن رجلا من العرب كانت أمه فتاة ، فقاول بني عم له ، بالجميّة . ومرّ فيروز حصين فقال : هذا خالي فمن منكم له خال مثله ؟ وظن أن فيروز لم يسمعها ، وسمعها فيروز ، فلما صار إلى منزله بعث إلى الفتى فاشترى له منزلا وجارية ، ووهب له عشرة آلاف درهم . ومن مآثره المعروفة أن الحجاج لما واقف ابن الأشعث برستقاباذ نادى منادي الحجاج : من أتى برأس فيروز فله عشرة آلاف درهم . ففصل فيروز من الصف ، فصاح بالناس : من عرفني فقد اكتفى ومن لم يعرفني فأنا فيروز حصين ، وقد عرفتم مالي ووفائي ، من أتى برأس الحجاج فله مائة ألف . فقال الحجاج : واللّه لقد تركني أكثر التلفّت ، وإني لبين خاصتي . فأتي به الحجاج فقال له : أأنت الجاعل في رأس أميرك مائة ألف ؟ قال : قد فعلت ، قال : واللّه لأمهدنّك « 3 » ثم لأحملنك ! أين أين المال ؟ قال : عندي فهل إلى الحياة من سبيل ؟ قال : لا . قال : فأخرجني إلى الناس حتى أجمع لك المال فلعلّ قلبك يرقّ عليّ . ففعل الحجاج . فخرج فيروز فأحلّ الناس من ودائعه ، وأعتق رقيقه ، وتصدّق بماله ثم ردّ إلى الحجاج ، فقال : شأنك الآن فاصنع ما شئت . فشدّ في القصب

--> ( 1 ) المحتد : كمجلس الأصل . ( 2 ) نبيل الصورة : حسن الصورة . ( 3 ) لأمهدنك : كأنه يريد لأحرمنك على المهاد وهو الأرض .