أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

270

الكامل في اللغة والأدب

خندق علينا ، فخندق المهلّب وأمر بسفنه ففرّغت وأبى خالد أن يفرّغ سفنه ، فقال المهلّب لفيروز حصين : صر معنا ، فقال : يا أبا سعيد ، الحزم ما تقول غير أني أكره أن أفارق أصحابي . قال : فكن بقربنا . قال : أما هذه فنعم . وقد كان عبد الملك كتب إلى بشر بن مروان يأمره أن يمدّ خالدا بجيش أميره عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، ففعل فقدم عليه عبد الرحمن فأقام قطريّ يغاديهم القتال ويراوحهم أربعين يوما ، فقال المهلّب لمولى لأبي عيينة : انتبذ إلى ذلك الناوس فبت عليه في كل ليلة ، فمتى أحسست خبرا من الخوارج أو حركة أو صهيل خيل فاعجل إلينا . فجاءه ليلة فقال : قد تحرّك القوم ، فجلس المهلّب بباب الخندق وأعدّ قطريّ سفنا فيها حطب فأشعلها نارا وأرسلها على سفن خالد ، وخرج في أدبارها حتى خالطهم ، فجعل لا يمرّ برجل إلا قتله ، ولا بداية إلا عقرها ، ولا بفسطاط إلا هتكه . فأمر المهلّب يزيد فخرج في مائة فارس فقاتل وأبلى يومئذ ، وخرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأبلى بلاء حسنا . فيروز حصين ومآثره وخرج فيروز حصين في مواليه فلم يزل يرميهم بالنّشّاب هو من معه ، فأثّرا أثرا جميلا فصرع يزيد بن المهلب في الخندق . فأخذ بيده رجل من الأزد ، فاستنقذه ، فوهب له فيروز حصين عشرة آلاف درهم . وأصبح عسكر خالد كأنه حرّة سوداء ، فجعل لا يرى إلا قتيلا أو صريعا . فقال للمهلّب : يا أبا سعيد ، كدنا نفتضح ! فقال : خندق على نفسك فإن لا تفعل عادوا إليك ، فقال : اكفني أمر الخندق . فجمع له الأحماس « 1 » ، فلم يبق شريف إلا عمل فيه ، فصاح بهم الخوارج : واللّه لولا هذا الساحر المزوني لكان اللّه قد دمّر عليكم ، وكانت الخوارج تسمّي المهلّب الساحر لأنهم كانوا يدبرون الأمر فيجدونه قد سبق إلى نفس تدبيرهم . فقال أعشى همدان لابن الأشعث في كلمة طويلة : ويوم أهوازك لا تنسه * ليس الثنا والذكر بالداتر

--> ( 1 ) الأحماس : الشجعان .