أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

263

الكامل في اللغة والأدب

تقتلونني ؟ فو اللّه ما فسقت ولا كفرت ولا ارتددت والناس يتفلتون إلى الخوارج والقباع يمنعهم فلما خاف أن يعصوه أمر عند ذلك بقطع الجسر فأقام بين دباها ودبيرى خمسة أيام ، والخوارج بقربه وهو يقول للناس في كل يوم : إذا لقيتم العدو غدا فأثبتوا أقدامكم واصبروا فإن أول الحرب الترامي . ثم إشراع الرماح ثم السلّة « 1 » فثكلت رجلا أمّه فرّ من الزحف فقال بعضهم لما أكثر عليهم ، إما الصفة فقد سمعناها فمتى يقع الفعل ، وقال الراجز : إن القباع سار سيرا ملسا « 2 » * بين دباها ودبيري خمسا فأخذ الخوارج حاجتهم ، وكان شأن القباع التحصن منهم ، ثم انصرفوا ورجع إلى الكوفة وصاروا من فورهم إلى أصبهان فبعث ، عتّاب بن ورقاء إلى الزبير بن عليّ : أنا ابن عمك ولست أراك تقصد في انصرافك من كل حرب غيري فبعث إليه الزبير أن أدنى الفاسقين وأبعدهم من الحق سواء . وإنما سمّي الحرث بن عبد اللّه القباع لأنه ولّي البصرة ، فعيّر على الناس مكاييلهم ، فنظر إلى مكيال صغير في مرآة العين وقد أحاط بدقيق استكثره فقال : إن مكيالكم هذا لقباع ، والقباع الذي يخفي أو يخفى ما فيه يقال : انقبع الرجل إذا استتر ، ويقال للقنفذ القبع وذلك أنه يخنس رأسه . وأقام الخوارج يغادون عتّاب بن ورقاء القتال ويراوحونه حتى طال عليهم المقام ولم يظفروا منه بكثير . فلما كثر ذلك عليهم انصرفوا لا يمرون بقرية بين أصفهان والأهواز إلا استباحوها وقتلوا من فيها وشاور المصعب الناس . فأجمع رأيهم على المهلب فبلغ الخوارج مشورته فقال لهم قطريّ : إن جاءكم عتّاب بن ورقاء فهو فاتك يطلع في أول المقنب ولا يظفر بكبير ، وإن جاءكم عمر بن عبيد اللّه ففارس يقدم فإما له وإما عليه ، وإن جاءكم المهلب فرجل لا يناجزكم حتى تناجزوه ويأخذ منكم ولا يعطيكم فهو البلاء اللازم والمكروه الدائم . وعزم مصعب

--> ( 1 ) السلة بالفتح وقد يكسر وهي استلال السيوف . ( 2 ) سيرا ملسا : أي سيرا مغبا وشديدا .