أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
219
الكامل في اللغة والأدب
تغيّب فأتى ابن زياد فأخبره فبعث إلى خالد ابن عباد فأخذ فقال عبيد اللّه بن زياد : أين كنت في غيبتك هذه ؟ قال : كنت عند قوم يذكرون اللّه ويذكرون أئمة الجور فيتبرءون منهم . قال : دلني إذن يسعدوا وتشقى ولم أكن لأروّعهم . قال : فما تقول في أبي بكر وعمر ؟ قال : خيرا قال فما تقول في أمير المؤمنين عثمان ؟ أتولاه وأمير المؤمنين معاوية ؟ قال : إن كانا وليين للّه فلست أعاديهما . فأراغه « 1 » مرات فلم يرجع فعزم على قتله ، فأمر بإخراجه إلى رحبة تعرف برحبة الزينبيّ فجعل الشّرط يتفادون من قتله ويروغون عنه توقّيا لأنه كان شاسفا « 2 » عليه أثر العبادة حتى أتى المثلّم بن مسروح الباهليّ ، وكان من الشرط فتقدم فقتله . فائتمر به الخوارج ليقتلوه ، وكان مغرما باللقاح « 3 » يتتبعها فيشتريها من مظانّها وهم في تفقّده ، فدسّوا إليه رجلا في هيئة الفتيان ، عليه ردع زعفران فلقيه بالمربد وهو يسأل عن لقحة صفيّ « 4 » ، فقال له الفتى : إن كنت تبلغ فعندي ما يغنيك عن غيره ، فامض معي . فمضى المثلم على فرسه والفتى أمامه ، حتى أتى به بني سعد فدخل دارا ، وقال له : ادخل على فرسك . فلما دخل وتوغل في الدار أغلق الباب وثارت به الخوارج فاعتوره حريث بن حجل وكهمس بن طلق الصريميّ فقتلاه ، وجعلا دراهم كانت معه في بطنه ودفناه في ناحية الدار ، وحكّا آثار الدم وخلّيا فرسه في الليل ، فأصيب من الغد في المربد . وتحسّس « 5 » عنه الباهليون فلم يروا له أثرا فاتهموا به بني سدوس ، فاستعدوا عليهم السلطان وجعل السدوسيّون يحلفون . فتحامل ابن زياد مع الباهليين فأخذ من السدوسيين أربع ديات وقال : ما أدري ما أصنع بهؤلاء الخوارج كلما أمرت بقتل رجل منهم اغتالوا قاتله ، فلم يعلم بمكانه حتى خرج مرداس ، فلما واقفهم ابن زرعة الكلابيّ ، صاح بهم حريث بن حجل :
--> ( 1 ) فاراغه أي راوده وأراد منه أن يرجع عن ذلك . ( 2 ) الشاسف : اليابس ضمرا وهزالا . ( 3 ) اللقاح بالكسر الإبل ذوات الألبان . ( 4 ) الصفي كغني : الناقة الغزيرة اللبن والجمع الصفايا . ( 5 ) تحسس : أي فتشوا عليه وبحثوا عنه .