أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

210

الكامل في اللغة والأدب

يقتلهم ولا يتغافل عن أحد منهم . وسبب ذلك أنه كان أطلقهم من حبس زياد لما ولّي بعده ، فخرجوا عليه . سياسة زياد مع الخوارج فأما زياد فكان يقتل المعلن ويستصلح المسرّ ولا يجرّد السيف حتى تزول التهمة . ووجّه يوما بحينة بن كبيش الأعرجيّ إلى رجل من بني سعد يرى رأي الخوارج ، فجاءه بحينة فأخذه فقال : إني أريد أن أحدث وضوءا للصلاة ، فدعني أدخل إلى منزلي ، قال : ومن لي بخروجك ؟ قال : اللّه عز وجل : [ فتركه فدخل فأحدث وضوءا ] [ 1 ] ثم خرج فأتى به بحينة زيادا ، فلما مثل بين يديه ذكر اللّه زياد ثم صلى على نبيه ، ثم ذكر أبا بكر وعمر وعثمان بخير ، ثم قال : قعدت عني فأنكرت ذلك ، فذكر الرجل ربه فحمده ووحّده ، ثم ذكر النبيّ عليه السلام ثم ذكر أبا بكر وعمر بخير ، ولم يذكر عثمان ، ثم أقبل على زياد فقال : إنك قد قلت قولا فصدّقه بفعلك . وكان من قولك ومن قعد عنا لم نهجه ، فقعدت ، فأمر له بصلة وكسوة وحملان « 1 » . فخرج الرجل من عند زياد ، وتلقّاه الناس يسألونه فقال : ما كلكم أستطيع أن أخبره ولكني دخلت على رجل لا يملك ضرّا ولا نفعا لنفسه ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فرزق اللّه منه ما ترون . وكان زياد يبعث إلى الجماعة منهم فيقول : ما أحسب الذي يمنعكم من إتياني إلا الرجلة « 2 » ، فيقولون أجل ، فيحملهم ويقول : اغشوني الآن واسمروا عندي ، فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فقال : قاتل اللّه زيادا ، جمع لهم كما تجمع الذرّة ، وحاطهم كما تحوط الأمّ البرّة ، وأصلح العراق بأهل العراق ، وترك أهل الشام في شأمهم ، وجبى العراق مائة ألف ألف وثمانية عشر ألف ألف . قال أبو العباس : وبلغ زيادا عن رجل يكنى أبا الخير من أهل البأس والنجدة أنه يرى رأي الخوارج ، فدعاه فولاه جندي سابور « 3 » وما يليها [ ( 1 ) سورة الشعراء : الآية 171 . ]

--> ( 1 ) حملان : جمع حمل بالتحريك وهو الجذع من أولاد الضأن . ( 2 ) الرجلة : السير على الأرجل لتعذر حمولة الدابة . ( 3 ) جندي سابور : مدينة في بلاد فارس .