أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

211

الكامل في اللغة والأدب

ورزقه أربعة آلاف درهم في كل شهر وجعل عمالته في كل سنة مائة ألف ، فكان أبو الخير يقول : ما رأيت شيئا خيرا من لزوم الطاعة والتقلب بين أظهر الجماعة فلم يزل واليا حتى أنكر منه زياد شيئا فتنمّر لزياد فحبسه . فلم يخرج من حبسه حتى مات . وقال الرهين وكان رجلا من مراد وكان لا يرى القعود عن الحرب ، وكان في الدهاء والمعرفة والشعر والفقه - يقول الخوارج - بمنزلة عمران بن حطّان ، وكان عمران بن حطان في وقته شاعر قعد الصفريّة ورئيسهم ومفتيهم . وللرهين المراديّ ولعمران بن حطان مسائل كثيرة من أبواب العلم في القرآن والآثار ، وفي السير والسنن ، وفي الغريب والشعر نذكر منها طريفها إن شاء اللّه ، قال المرادي : يا نفس قد طال في الدنيا مراوغتي * لا تأمننّ لصرف الدهر تنغيصا إني لبائع « 1 » ما يفنى لباقية * إن لم يعقني رجاء العيش تربيها وأسأل اللّه بيع النفس محتسبا * حتى ألاقي في الفردوس حرقوصا ( قال الأخفش حرقوص ذو الثديّة ) : وأسال اللّه بيع النفس محنيا * حتى ألاقي في الفردوس حرقوصا وابن المنيح ومرداسا وإخوته * إذ فارقوا زهرة الدنيا مخاميصا « 2 » قال أبو العباس : وهذه كلمة له ، وله أشعار كثيرة في مذاهبهم . وكان زياد ولّى شيبان بن عبد اللّه الأشعري صاحب مقبرة بني شيبان باب عثمان وما يليه . فجدّ في طلب الخوارج ، وأخافهم وكانوا كثروا ، فلم يزل كذلك حتى أتاه ليلة وهو متكئ بباب داره رجلان من الخوارج فضرباه بأسيافهما فقتلاه . وخرج بنون له للإغاثة ، فقتلوا ثم قتلهما الناس . فأتي زياد بعد ذلك برجل من الخوارج فقال : اقتلوه متّكئا كما قتل شيبان متكئا فصاح الخارجي ! يا عدلاه ، يهزأ به . فأما قول جرير :

--> ( 1 ) أنى لبائع ما يغني لباقيه : يذكر أنه اشترى الآخرة بالدنيا . ( 2 ) مخاميصا : أي ضامري البطون كناية عن الزهد في الدنيا وقلة ما يملكون منها رغبة عنها .